خيار سلمي أو عسكري: كل حلول معضلة سوريا تقتضي توحيد الجبهات

الأربعاء 2014/04/23
طفل سوري يحمل علم الثورة ويلهو تحت المطر، فهل من أمل

لندن- فشل الجهود الدولية في التوصل إلى صيغة تفاهم مشتركة حول الأزمة السورية أعاد إلى طاولة المفاوضات، وبقوّة، الحديث عن اعتماد حلّ التدخل العسكري الخارجي المباشر لحل الأزمة في سوريا.

تشير التقارير إلى أن الأمل في الوصول إلى نهاية قريبة للمعضلة السورية لا يزال ضعيفا، خاصة وأن الصراع هناك أصبح حربا بالوكالة بين جبهة تعارض الأسد، بقيادة أميركية خليجية وتركية، وجبهة تدعمه بقيادة روسية إيرانية، وموقف صيني يبدو في ظاهره محايدا لكنّه في الأصل يصب في صالح نظام الأسد.

بالتوازي مع هاتين الجبهتين، يحذّر المراقبون من خطر داهم سيعقّد الوضع أكثر، وهو خطر الإسلاميين والجماعات الجهادية المسلّحة، التي تشعّبت وأضحت بدورها تبحث عن موطئ لفرض سيطرتها ونفوذها في بلاد الشام.

البعض حمّل مسؤولية المعضلة السورية إلى عدم حسم القرار الدولي بالتدخّل عسكريا، مثلما حدث مع ثورة 17 فبراير 2011 في ليبيا، والبعض الآخر يرى أن التدخّل العسكري أمر مستبعد ويكاد يكون مستحيلا في الوقت الراهن، ما لم يتم توحيد الصفوف بين القوى الدولية، وضمّ الجهات الكبرى الداعمة لنظام الأسد إلى صفوف المعارضة. فيما اعتبرت أطراف أخرى أن إمكانية التدخّل العسكري واردة في حالة تمت مراجعة السياسة الأميركية لخيارات تدخّلها عسكريا.

وفي الجانب السوري، كما في الخارج، تنقسم المعارضة بين جهة ترى أن طلب التدخل العسكري الخارجي سيحسم الأمر، وجهة أخرى تعتبر أن النضال السلمي هو الوسيلة والآلية لإسقاط النظام، فيما يؤكّد قسم آخر من المعارضين أن تسليح الشعب هو الوسيلة.


خطايا واشنطن في العراقي


الجدل والانقسام حول حلّ التدخّل العسكري في سوريا، كانا محور دراسة صدرت، ضمن منشورات ربيع 2014، عن “مركز سياسات الشرق الأوسط”، وهي عبارة عن قراءة في كتاب “معضلة سوريا” (The Syria Dilemma)، من إعداد نادر هاشمي وداني بوستل.

يسلّط هذا الكتاب الضوء على كلا الموقفين، الكتلة المؤيّدة للتدخّل العسكري في سوريا والكتلة المعارضة له، وذلك من خلال عرض مختارات لآراء المحللين والخبراء في هذا الشأن.

صرح مسؤولون أميركيون، مؤخّرا، أن البيت الأبيض سيشرع في إلقاء نظرة جديدة على الخيارات في سوريا. هذا الموقف اعتبره مؤيّدو التدخّل العسكري في سوريا بداية انفراج وخطوة نحو حل الأزمة شرط أن لا يكون حلاّ على طريقة ما جرى في العراق وليبيا.

ويورد نادر هاشمي وداني بوستل، في هذا السياق، التحذير الذي وجّهه شادي حامد، الباحث بـ”مركز بروكينغز بالدوحة”، عند دفاعه عن التدخل العسكري. وكتب حامد محذّرا: “لقد استوعبنا الدروس المستفادة من الحرب الأخيرة ونأمل أن نكفّر عن خطايانا في العراق”. ويرى الباحث أنه على النقيض من الفوضى التي تفتقر إلى أدنى المعايير الأخلاقية في العراق فإن: “ما جعل العمل العسكري في ليبيا تدخلا لمجرد التدخل هو أننا تحركنا ليس بدافع تعرض مصالحنا الحيوية للتهديد بل على العكس من ذلك”.

خلال التعليق على نموذج التدخّل في ليبيا، تشير الدراسة إلى أن هذا التدخّل لم يثمر سوى القليل من الاستقرار، ولا يمكن للقوى العظمى أن تشارك يوما ما في أي حرب دون أن تكون “مصالحها” على المحك.

وتمثّلت مصالح البيت الأبيض في العراق، عندما اجتاحته في 2003، في ترسيخ قبضة الولايات المتحدة على معظم احتياطي النفط الاستراتيجي في العالم، رغم أنها لم تنجح كليا في سياستها تلك. وذات الهدف كان وراء التدخّل العسكري في ليبيا، وهي محاولة (مرة أخرى، لم تكن بأي حال من الأحوال ناجحة تماما).


التدخل العسكري لإنقاذ سوريا

انتخابات الرئاسة في سوريا مهزلة سياسية
دمشق- اتفق المراقبون على أن إعلان النظام في دمشق فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، مهزلة سياسية يقودها الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يستمر في تحديه لمعارضة المجتمع الدولي ببقائه في السلطة.

وقد طرح إعلان محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري، فتح باب الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية وإجرائها في موعدها المقرر في 3 يونيو المقبل، مجموعة من ردود الأفعال المتنوعة جاء أبرزها من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

ففي الوقت الذي سخرت فيه المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، جنيفر بساكي، خلال مؤتمرها الصحفي اليومي في واشنطن، من الانتخابات الرئاسية التي يعتزم النظام السوري إجراءها، وقالت “لا مصداقية لهذه الانتخابات”، قال استيفان دوغريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن، “إجراء نظام بشار الأسد لانتخابات الرئاسة في سوريا، يتعارض مع نص بيان جنيف1 وروحه وسيعرقل احتمالات التوصل إلى حل سياسي للأزمة”.

وأثارت الظروف الراهنة في البلاد مجموعة من الأسئلة حول رهان النظام السوري على إجراء الانتخابات في ظل حرب مزقت سوريا خلال أكثر من 3 سنوات، وخلفت وراءها أكثر من 150 ألف قتيل، ونزوح ولجوء نحو نصف السكان داخل البلاد وخارجها، حسب منظمات حقوقية.

وتعليقا على خطوة النظام قال خالد خوجا، ممثل الائتلاف الوطني السوري المعارض في تركيا، إن “الإعلان عن إجراء الانتخابات تزامن مع قصف الطائرات لمناطق في دمشق، وإسقاطها لبراميل متفجرة في مناطق حلب وإدلب، مما يعني أن النظام يعلن عن الانتخابات على وقع القصف، في محاولة لفرض أمر واقع جديد وشروط لعبة جديدة، يوهم المجتمع الدولي بها على أنه قادر على ضبط الأمور”.

ذهب خوجا، في تصريحاته بالقول إن “النظام ربما يراهن على براغماتية المجتمع الدولي في التعامل مع الأمر الواقع الجديد، خاصة بعد أن وجد براغماتية عالية من الولايات المتحدة عند إبرام صفقة الكيميائي، وسحب السفن التي كانت على وشك قصف مناطق في دمشق تابعة للنظام خلال ساعات، عندما وقعت الصفقة ليستعيد النظام عافيته”.

ولفت إلى أن “من أهداف هذه الانتخابات أيضا ربما بداية تقسيم البلاد، حيث إن النظام يسيطر على محافظتي دمشق وحمص ومنطقة الساحل فقط، فيعرف من خلال الانتخابات حجم أصواته ويتجه إلى التقسيم، خاصة بعد أن فرضت حالة جديدة في البلاد تشبه الكانتونات، من سيطرة لأحزاب كردية وإسلامية على مناطق معينة”.

وخلص ممثل الائتلاف إلى أن “الانتخابات مهزلة والقوانين فصلت على مقاس بشار الأسد، ولن يكون هناك مرشحون فعليون سوى بشار الأسد، ولن يكون هناك من ينتخب، لأن الأرياف ليست تحت سيطرة النظام، وسكان المدن هُجّروا، فمن سينتخب، فهي مسرحية هزلية لن يكون لها أي معنى”.

أما الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، علي حسين عرب أوغلو، فأبدى اعتقاده بأن النظام “غير قادر على إقناع أي أحد بهذه الإجراءات التي يقوم بها، حتى الإيرانيون أنفسهم خلال الأيام القليلة الماضية صرّحوا أكثر من مرّة عبر قادة بارزين بأنه لولاهم ولولا حزب الله لما بقي الأسد حتى الآن”.

وأضاف في تصريحات أن “الأسد فقد شرعيته منذ بداية الثورة، وهو حاليا يؤكّد أنّه لا يلتزم حتى بالتشريعات التي وضعها هو، والتي تنهي ولايته كرئيس لسوريا، وتؤكد أنّه يريد التمسك بالسلطة، على جماجم وأشلاء السوريين، ولو أدى ذلك إلى تدمير سوريا كليا كما يفعل الآن”، على حد تعبيره.

وعلل إقدام النظام على هذه الخطوة بأن “الأسد وداعميه يعتقدون أنّه من الممكن أن يستعيد النظام شرعيته، لكنّها خطوة سخيفة في الوقت الذي يقتل فيه الأسد أكثر من 150 ألفا من مواطنيه، ويشرد أكثر من نصف الشعب السوري خارج وداخل البلاد، ويهدّم البنية التحتية، ويستخدم كل الأسلحة، بما فيها المحرمة دوليا”.


من الداعمين للتدخّل العسكري، معدّ الكتاب، نادر هاشمي، الباحث بمركز دراسات الشرق الأوسط. ويعتبر هاشمي أن مبادئ الثورة العربية تظلّ الأساس الذي يرشد المعارضة السورية: الحرية (الحرية السياسية) والعدالة الاجتماعية والكرامة. وفي سبيل تحقيق ذلك تحوّلت الثورة في سوريا إلى حرب، وأضحى بشّار الأسد يقف على “القمة في قائمة أكثر الحكام تطرفا وقمعا من بين الديكتاتوريين العرب”.

وذكر هاشمي في سياق تحليله جرائم تنزانيا في أوغندا وفيتنام في كمبوديا والجبهة الوطنية الرواندية في رواندا، وكذلك حلف شمال الأطلسي في البوسنة وكوسوفو كأمثلة تثبت أن استعمال “القوة العسكرية” أمر مطلوب لإنهاء “الفظائع التي ارتكبتها الدولة على نطاق واسع″.

ويدعم هاشمي موقفه باقتباس جملة من بيان صادر عن الائتلاف الوطني المعارض تقول إنه أمر “مأساوي أن نجد أن الناتو يملك القدرة على وقف المزيد من الخسائر في الأرواح في سوريا ولكنه يختار عدم التدخل”.

من الجانب السوري، تؤكد رفيف جويجاتي، العضوة في لجان التنسيق المحلية (هيئة المقاومة المدنية في سوريا)، أنها ترفض الحديث عن المخاوف من أن الأسلحة ستقع في “الأيادي الخطأ“، فهي ترى أن “هذه الأسلحة كانت بالفعل ولفترة طويلة في الأيادي الخطأ، أيادي نظام الأسد”. وتؤيّد جويجاتي تسليح المعارضة بهدف “ترجيح موازين القوى”، مشيرة في هذا الصدد إلى العدد الكبير من خطط السلام التي تم رفضها أو انتهاكها من قبل نظام الأسد.

وبخصوص مخاوف الغرب من تهديد الجهاديين، أوردت جويجاتي في ردها شعارا للمعارضة يقول: “عدّد قتلانا ولا تعدّد لحانا”. وكتبت أن السوريين الذين يعرفون كسوريين فقط – وليس السنة أو العلويين أو المسيحيين – يرفضون “ادعاءات النظام بخصوص الطائفية، ولكن من المؤكد أن الحرب اتخذت بعدا طائفيا، وهي الثمرة المرة لاستراتيجية النظام”.


تسليح المعارضة وخطر الإسلاميين


في الجهة المقابلة، يرفض كل من أسلي بالي وبلوس أنجلس وعزيز رنا، مسألة الحل العسكري للصراع السوري، الذي اعتبروه أمرا سهلا بالنسبة إلى أولئك الذين لا يعيشون تحت القصف أو المنفيين في مخيمات اللاجئين. وأشاروا إلى أن السوريين الذين يطالبون بالتدخل الأجنبي إنما يطلبون ذلك بدافع الإحباط.

ويرى بالي ورنا أن دعوات التدخل “تجسد الأهداف التي تعمل على تقويض مصالح السوريين في الداخل. وعلى العكس سيغذي التدخل العنف وإراقة الدماء في سوريا، فأهداف التدخل في سوريا هي أهداف القوى العظمى لا المعارضة السورية”.

مع ذلك، يحمّل رنا “معظم القوى الكبرى، التي تقف مساندة إلى حالة الجمود الحالية من خلال تسليحها وتمويلها للفصائل العسكرية من جميع الأطراف، قدرا لا بأس به من المسؤولية عن الحرب، وفي مقابل رفضها “استئناف” الحديث عن الحلول العسكرية، فهي لا تعترف أبدا بأن الجهود الدبلوماسية المتكررة قد وصلت بما لا يدعو مجالا للشك إلى نفق مسدود”.

وحذر تشارلز غلاس، السياسي المحنك ومراسل الشرق الأوسط لقناة أي . بي . سي نيوز، من أن “آخر شيء يحتاج إليه السوريون هو المزيد من الأسلحة التي تتدفق إلى سوريا”. وهو يقر بالتساوي في الخسائر لأن “المتضرر الأول من جراء المساعدات العسكرية وغير العسكرية للحكومة والمتمردين على حد السواء هو الشعب السوري في نهاية المطاف”. ومع ذلك فإن لنظام الأسد صكا افتراضيا على بياض من نظيره الروسي. ويمكن كذلك أن نعتبر أن عدم وجود الدعم الخارجي للمعارضة العلمانية سمح للجهاديين بالوجود وملء الفراغ في ظل توفر شبكات الأسلحة الخاصة بهم وبالتالي استقطاب الصراع إلى صراع شموليات متنافسة.

وبالإضافة إلى ذلك رفض مارك لينش، باحث بمعهد دراسات الشرق الأوسط، فكرة تسليح المتمردين قائلا إن هذا الإجراء “يعني بالأساس تأجير المعارضة إلى حين يأتي عرض أفضل في المستقبل، ويتضح ذلك من خلال الكم الذي لا يحصى من التقارير حول المجموعات السورية التي تحولت مع صف الإسلاميين لأنهم أكثر تمويلا أو أفضل تسليحا”.

وأعاد كريستوفر هيل، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في العراق ومبعوثا لكوسوفو، الحرب البوسنية إلى الأذهان مجددا في مقاله “من دايتون إلى دمشق”، داعيا إلى بذل جهد دبلوماسي أكبر، مبينا أنه “ليس القنابل الأميركية” التي “وضعت حدا للحرب في البوسنة”.

وكانت دراسة صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أكّدت أن التدخل العسكري في سوريا لن يكون دون مخاطر. وبعض هذه المخاطر معروف، فيما البعض الآخر غير معروف، وهناك مخاطر يمكن توقّعها مثل قدرات القوات السورية وأسلحتها، ومخاطر أخرى يصعب توقّعها مثل تصرف الدولة السورية في الداخل وحلفائها في الخارج لو أحسوا بقرب بداية عملية عسكرية واسعة ضدهم على غرار ما حدث ضد نظام القذافي في ليبيا.

6