خيار مناسب للمقعد المناسب..

الاثنين 2013/12/16

من دون السقوط في المبالغات، يمكن القول أن دخول الأردن مجلس الأمن كعضو غير دائم لمدة سنتين يظلّ من الأنباء القليلة التي يمكن أن تدعو إلى بعض التفاؤل. لماذا؟ لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أن المملكة الأردنية الهاشمية على تماس مباشر مع كلّ أزمات المنطقة، وهي اتخذت في الوقت ذاته مسافة محددة منها، مسافة مدروسة بدقة.

مثل هذه المسافة تمكّن المملكة من خدمة القضايا الحارة المطروحة إقليميا بمقدار معيّن من الفعالية بعيدا عن الشعارات الطنانة التي تسيء إلى العرب عموما أكثر مما تفيدهم. معنى ذلك كلّه أن الأردن هي الخيار المنسب للمقعد المناسب.

ليس سرّا أن الأردن ما كانت لتحتل المقعد غير الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لولا الموقف السعودي المفاجئ برفض المقعد. لدى المملكة العربية السعودية أسبابها لاتخاذ الموقف الذي يعبر عن امتعاض شديد من تقصير الأمم المتحدة في اتخاذ مواقف حاسمة من قضايا المنطقة. لكنّ الأهمّ من ذلك، أن السعودية أرادت التعبير، على طريقتها، عن مدى تضايقها من السياسة الأميركية التي لا تستخدم مخالبها وما تمتلكه من وسائل ضغط، إلاّ عندما يكون الأمر متعلقا بأحد الأطراف العربية.

جاء الاختيار العربي للأردن كي تشغل مقعد مجلس الأمن بديلا من السعودية في مكانه. حظي بشبه إجماع دولي عبّر عنه عدد الأصوات التي نالتها الأردن في الجمعية العمومية للأمم المتحدة (178 صوتا).

الأردن معنية مباشرة بما يدور على حدودها وحتى داخل حدودها حيث تستقبل مئات آلاف اللاجئين السوريين. أي أن هناك مصلحة أردنية في حلّ سياسي في سوريا يحمي دول الجوار، وبينها لبنان، من الانعكاسات السلبية لتفتيت الكيان السوري. والأردن معنيّة بإيجاد تسوية على أساس خيار الدولتين، تسوية تسمح للشعب الفلسطيني بأن تكون له دولته المستقلة “القابلة للحياة” عاصمتها القدس الشرقية. مسؤولية المحافظة على القدس ومقدساتها مسؤولية أردنية، في جانب منها. الفلسطينيون أنفسهم قبلوا بذلك. اتخذوا موقفا في غاية الشجاعة كي يتمكنوا من مواجهة الرغبة الاسرائيلية في عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية وتغيير معالمها. مَنْ غير الأردن بالتنسيق مع المغرب، الذي يرأس ملكه محمّد السادس لجنة القدس ويمتلك اتصالات واسعة، يستطيع الدفاع عن المدينة بطريقة أفضل؟

لم تترد الأردن يوما في دعم القضية الفلسطينية. هناك من يعتبر أن هذا الدعم عائد إلى أسباب ذاتية، وإلى التخوف من مشروع “الوطن البديل” الذي طالما نادى به اليمين الاسرائيلي الموجود حاليا في السلطة. أين المشكلة في ذلك؟ أين المشكلة في أن يكون الملك عبدالله الثاني ذهب المرّة تلو الأخرى في السنوات العشر الماضية إلى واشنطن من أجل التأكيد للإدارة وللكونغرس أن المطلوب اليوم قبل الغد إيجاد تسوية على أساس خيار الدولتين، في حال كان هناك في العاصمة الأميركية من يفكّر جديا في حماية الاستقرار الإقليمي.

باختصار، إن الأردن معنية بالاستقرار الإقليمي. إنها معنية به نظرا إلى أنه مصلحة أردنية قبل أي شيء آخر. فالأردن على حدود العراق أيضا، ولا يمكن إلا أن تستفيد من عراق مزدهر يسوده حدّ أدنى من التجانس بين مكونات مجتمعه. والأردن ستعاني من أيّ تفتيت للعراق ومن أي زيادة للنفوذ الإيراني فيه، خصوصا أن السنوات القليلة الماضية أظهرت أن المشروع الإيراني الهادف إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط استهدف الأردن أيضا.

عملت إيران حتى على تشجيع فئات من جماعة الإخوان المسلمين على خلق اضطرابات في الأردن، وذلك بوسائل وأساليب مختلفة. كان هناك استغلال إيراني ليس بعده استغلال لقضية الشعب الفلسطيني. كان هذا الاستغلال بهدف المتاجرة بالقضية وبالفلسطينيين. تصدى الأردن لهذه المحاولات، ولكن من دون أن يقطع حبل الاتصالات مع طهران.

إلى إشعار آخر، هناك دور أردني فعّال يتولاه عبدالله الثاني الذي عرف باكرا أهمية التصدي لإثارة الغرائز المذهبية في المنطقة. كان أوّل من تحدّث عن خطورة “الهلال الشيعي” من زاوية سياسية طبعا. كان ذلك في خريف العام 2004. كان أوّل من نبّه إلى ضرورة قطع الطريق على السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى استبعاد خيار الدولتين على أرض فلسطين. كان أوّل من نبّه إلى خطورة إطالة الأزمة السورية، وإلى أن ذلك يخدم العناصر المتطرفة التي تسعى إلى خطف ثورة الشعب السوري على النظام الظالم المستعد لذبح شعبه في كلّ يوم وكلّ ساعة.

لم تقتصر التحذيرات الأردنية على الكلام. كانت هناك سلسلة من النشاطات استضافتها عمّان من أجل تأكيد رسالة الإسلام، التي هي قبل كلّ شيء رسالة اعتراف بالآخر والقبول به. كان الهدف من “رسالة عمّان” ترسيخ القواسم المشتركة بين المذاهب الإسلامية. كان هناك هدف أردني آخر يتمثل في حماية المسيحيين العرب وتأكيد دورهم في المجتمعات العربية. لم تتردد الأردن يوما في الوقوف في وجه كلّ أنواع التطرّف، بدليل وقوفها مع مصر التي سعى الإخوان المسلمون إلى خطفها.

فضلا عن ذلك، كانت الأردن في كلّ وقت جزءا لا يتجزّأ من حماية الأمن الخليجي الذي يحتاج حاليا إلى كلّ دعم ممكن من أجل إقناع الإدارة الأميركية بأن هناك، بين العرب، من هو قادر على التعاطي بطريقة براغماتية مع كل أنواع التطوّرات. وهذا يشمل بالطبع الملف النووي الإيراني الذي تبدو إدارة باراك أوباما مهتمّة به أكثر بكثير مما هي مهتمة بالسياسة الإيرانية ذات الطابع العدواني في منطقة الخليج كلّها وصولا إلى اليمن… وما بعد اليمن. بالطبع، لا يمكن لبلد كلبنان يعاني مثله مثل الأردن من خروج الأزمة السورية من سوريا، إلا أن يستفيد من وجود المملكة الهاشمية في مجلس الأمن. حتى لو لم تتمكن الأردن من القيام بالكثير من خلال هذا الموقع، فإنّ سياسة الحد من الأضرار تظلّ لها حسناتها أكثر بكثير من سلبياتها.


إعلامي لبناني

8