خياطة شباك الصيد في المغرب لقمة عيش مالحة

مصائب قوم عند قوم فوائد، مقولة تنطبق على صيادي الأسماك وخائطي شباك الصيد، ففي الوقت الذي يئن فيه صيادو السردين من هجمات غير مسبوقة لدلفين النيكرو، يعول محترفو خياطة شباك الصيد على بعض الطرق للحد من هذه الهجمات التي تتسبب في تمزيق الشباك وبالتالي توفير فرصة عمل لهم.
الأربعاء 2015/09/16
رغم سيطرة الآلة على صناعة الشباك إلا أن هناك من يدافع على صناعتها اليدوية التقليدية

كانت يده صلبة غير عادية عندما صافحته، كانت بملمس خشن كأنما بها تقاسيم من فعل دوام الصنعة وطول عهده بها. لكن في قلب الرجل إيمانا قويا قوة حبه لعمله الذي عاش به أربعة عقود من الزمن وما يزال.

البحار “العربي بربش”، صانع الشباك البحرية وخياطها، الذي يقضي أيامه متنقلا بين مراسي مدن الدار البيضاء وطنجة والصويرة..، فهو لا يتقن حرفة أخرى غير خياطة الشباك، التي تعتبر ضرورة لصيد الأسماك بأعالي البحار. لا يملك العربي غير “الأمل في الله وهذه الإبرة المتوسطة الحجم” ، يقول في لقاء مع “العرب”، إنه يحافظ بشكل كبير على احترام شروط حرفته وأدواتها، ويعلمها لمن أراد من الشباب.

لقد وجدناه في انسجام تام مع زميليه يونس والمهدي، الشابين اللذين يشكرانه كثيرا على تعليمهما صناعة خياطة شباك مصايد السمك وصيانتها. “لقد علمنا الحرفة بشكل دقيق ولم يبخل عنا بالكشف عن أسرارها” يعلق يونس، مشيرا إلى أنها، ورغم سيطرة الآلة على صناعة الشباك، إلا أن المعلم العربي مازال يدافع على صناعتها اليدوية، التقليدية، فهي بالنسبة إليه تبقى الأجود والأفضل لنسيجها وخياطتها الدقيقة والمتقنة.

لقد حمل تلاقح الحضارات الغربية والشرقية إلى بلاد المغرب الأقصى صناعة شباك الاصطياد، فانتشرت في البلاد طولا وعرضا، وأسست لها بالمرافئ مصانع في الهواء الطلق، تحاك بها حبال القنب، أو البلاستيكية الطويلة اليوم، حتى تغدو شباكا تقاس بـ”القامة”، قامة الإنسان البحار الصانع، الذي يُرتب حول الحبل البلاستيكي الطويل كُويرات من معدن الرصاص المشدودة إلى الحبل، المشدود بدوره إلى الشباك المنسوج والمخاط حسب المقاسات المطلوبة لنوع الصيد المراد اصطياده، أهو “سردين”، أم أسماك مختلفة أحجامها، أم الحيتان الكبيرة.

خياطة الشباك تعتبر ضرورة لصيد الأسماك بأعالي البحار

يفيدنا محمد الريفي، وهو رئيس مركب صيد، أن شباك الاصطياد أنواع حددها المهنيون في ثلاث، منها الشباك السطحية، ومنها متوسطة النفاذ إلى البحر، ومنها العميقة “القاعية” التي تصل القيعان البحرية وعمقها، وهذه الأخيرة محظور الصيد بها في عدد من البلدان، ومنها المغرب، لما تتسبب فيه من ضرر بيئي ناتج عن طريقة اصطيادها الكاسحة التي تضر السمك، “الوالد وما ولد”، دون رحمة ولا شفقة، ودون احترام للقوانين البحرية المنصوص عليها في تراخيص الصيد البحري.

ويعلق رئيس مركب الصيد: نحن ندقق عند شراء شباك الصيد، ونختار الصناع المهنيين والأكفاء الذين يتقنون ما يصنعونه من شباك صيد متينة. ويوضح الرايس محمد الريفي، “المعلم العربي من الصناع التقليديين القلة، العارفين بأسرار مهنة صناعة شباك صيدنا”، فالرجل، يبدي رغبة كبيرة في الاجتهاد لصناعة شباك جيدة مقاومة لـ”النيكرو” عدو الشباك وممزقها، النيكرو ذلك الصنف القوي من الدلافين ذات اللون الأسود، الذي تكون هجماته خاطفة، ولا يمكن رصدها برادار أو أجهزة اللاسلكي الخاصة بمراصد سفن الصيد. إنه حيوان قوي وذكي “مزق عددا من شباك الصيد ونشط سوقها الصناعية في البلاد”.

وتمنى العربي خياط الشباك مازحا، لو أن الدلفين “النيكرو” يعود للظهور مجددا في البحار، أو على الأقل يظهر من حين لآخر، حتى يُنشط سوق صناعة الشباك، فهي اليوم “كاسدة تعرف جمودا وبرودا”، وأن مهنييها ليس لهم بديل عن ضمان لقمة العيش سوى ركوب سفن الصيد والخروج مع صياديها مساعدين لهم، يقدمون خدمات هامشية كالطبخ وإعداد الشاي أو تنظيف المركب. ويعلق العربي “إن لقمة العيش من مهن الصيد التقليدي غدت مالحة جدا، لدرجة المرارة”.

20