خيال متعب

السبت 2015/05/16

“كلما نظرت في وجه ابني الرقيق وهو يبتسم وملامحه وهي تشع حياة وأملا، وهو يستمتع برحلته الأخيرة مع أصدقائه، تتملكني الحسرة وتبدأ نبضات قلبي بالتسارع حتى لكأن خفقاته تكاد تقفز من صدري في محاولة لالتقاط أنفاسي الأخيرة، فأسأل نفسي: هل حقا ستكون هذه هي رحلته الأخيرة وهذه الصور هي كل ما سيفضل لي بعد رحليه الذي سيكون موجعا؟”

“لو كنت أعلم بما سيخبئه القدر الأحمق لي، لكنت استمتعت بكل اللحظات الجميلة ولكنت ضممت ابني الحبيب إلى صدري كل ساعات النهار، ولسهرت الليالي لأتطلع إلى وجهه العزيز دون أن يطرف لي جفن! ترى كيف يمكنني أن أستعيد تلك اللحظات المتوهجة من عمره القصير، بعد أن يرحل عني ويتركني لوحدي؟”

” لم أعد أطيق التحديق مطولا في (ألبوم) الصور، ولن أتخيل كيف ستكون عليه عناوين الصحف وهي تسود إحدى صفحاتها بالخبر- الكارثة، ومشاهد العزاء ودموع معلمته في المدرسة، لم أعد أطيق كل هذا الألم”.

تبدو كل هذه الكلمات والعبارات المنمقة سخيفة ومملة، إذا ما تبين بأن الأم في هذا المشهد (البكائي) ليست سوى مخلوقة واهمة وصاحبة خيال واسع، خيال مصبوغ بالسواد وليس فيه من بصيص لأمل، فهذه الأم البريطانية مصابة بدرجة متطورة من داء نفسي غير واضح المعالم؛ الخوف المفرط من المستقبل والخوف من خسارة الأحباب والخوف من موت فلذة كبدها في حوادث افتراضية تحتل مسودات (سيناريوهاتها) مساحات واسعة من خيالها المتعب، فالطفل الوسيم ما يزال في الثانية عشرة من عمره ويتمتع بصحة ونشاط وذكاء كما يتطلع إلى مستقبل مشرق، كل ما هنالك أن المدرسة الابتدائية تعتزم تنظيم رحلة ترفيهية (وداعية) لتلاميذها قبل مغادرتهم المدرسة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، والرحلة تتطلب ابتعاد الولد عن أحضان أمه للمرة الأولى بمسافة زمنية ومكانية لا بأس بها.

ينتاب الأبوين وخاصة الأم مثل هذه المشاعر بين الحين والآخر، وهذا أمر يكاد يكون شائعا مرده الحرص المبالغ فيه لكن الأمر عندما يكون على هذه الشاكلة فيتعدى حدود المعقول ليغطي مساحات كبيرة من حياة الأبناء، فهو مؤشر سلبي على معاناة نفسية واضحة الأمر الذي يفسره علماء النفس بأنه اضطراب القلق والهلع (فوبيا) حيث تشير الأبحاث الأخيرة إلى أنه يصيب قرابة 15 بالمئة من الناس. هذه الحالة من التوتر النفسي الشديد والخوف المفرط يفوق ما يمكن اعتباره رد فعل طبيعي قد يسببه موقف أو مجموعة مواقف لا تستدعي القلق بذاتها، وتستمر لفترة طويلة، لتعيق مجرى الحياة اليومية للأفراد وتمنعهم عن النوم وعن التحكم الصائب بالمشاكل الحياتية الأخرى التي يواجهونها. بالطبع فإن الإحساس بالقلق يمثل رد فعل طبيعي عند تعرض الشخص أو أحد المقربين منه إلى خطر حقيقي، لكن الإفراط فيه هو ما يعد خطرا يجب التصدي له والتعامل معه بجدية.

ثمة أسباب مختلفة تمثل مصدرا لهذا الشعور المزعج، يرجعها علماء النفس إلى تجارب الطفولة وثم إلى مخاوف تظهر في مراحل متقدمة من العمر، بسبب تجارب حياتية ضاغطة ووجود الأفراد ضمن دائرة محبطة من الأحداث القاسية التي تمثل تهديدا غير مباشر لأناس محيطين بهم، أما الأمومة ذاتها فهي ضرب من ضروب القلق المستمر منذ لحظة ولادة الطفل حتى لحظة وفاة الأم.

يبقى الإنسان شجاعا متماسكا رابط الجأش، حتى يرزق بأطفال، فتذهب جميعها ويحل القلق.

21