خيانة الأمل

الجمعة 2016/04/08

بين أن تكون الأنظمة (الوطنية) العربية قد فشلت، أو أن تكون قد أفشلت، مسافة لا تُرى. هناك فرق بين الوضعين بالتأكيد، غير أن ذلك الفرق لا يصلح أن يكون ذريعة لتبرير الفشل في أي حال من حالاته.

فالأنظمة التي سمحت للآخرين بإفشالها هي أنظمة فاشلة أصلا. أي أنها تحمل بذرة الفشل داخلها.

أما حين تهاوت تلك الأنظمة فإنها أخذت معها كل عناصر خبرتها في إخضاع الشعوب وإلهائها وتمرير الوقت من أجل أن لا يكون ذلك الفشل مرئيا، وكان الأمل من بين أهم تلك العناصر.

هل كان الأمل الذي أنعش حياة الشعوب في العالم العربي عبر نصف قرن برذاذ تكهناته مجرد كذبة اخترعتها الأجهزة الدعائية التابعة لتلك الأنظمة؟ من المحتمل أن يكون الأمر كذلك.

وإلا فما الذي يجعل فئات كثيرة من تلك الشعوب تستسلم للقبول بالأحزاب والتيارات الدينية، المتطرفة والمعتدلة على حد سـواء، والتي لـم تكلف نفسها، يوما، عناء تضليل قاعدتها الشعبيـة بالأمل، مكتفية بالوصفات الجاهزة التي تعدُ الصالحين مـن الأتباع بحياة سعيدة في حقبة ما بعد الموت.

ليس صحيحا، إذن، أن حالة الصعود التي عاشتها مختلف الجماعات الدينية المتطرفة مردها إلى قدرتها على إقناع الشباب بسلامة برامجها، من أجل إصلاح ما فسد من أساليب العيش، وتقويم ما اعوجَّ من طرق التفكير، وصولا إلى الحياة الفاضلة.

فلو كان ذلك صحيحا لما لجأت تلك الجماعات إلى إقناع أتباعها بأفضلية الموت انتحارا، على بناء الحياة كدحا، والمقاومة صمودا.

ما أشاعته تلـك الجماعـات بين أتباعها من يأس من الحياة ومن ازدراء لفكرة استمرار الآخرين في العيش، إنما يعكس رغبة أولئك الأتباع في أن لا يروا مجتمعا يسعى إلى تدارك أخطائه في البناء السيـاسي، بعـد أن سدت أمامهم أبواب الأمل.

أتوقع أن كثيرا مـن الشباب الـذين أغوتهـم الجماعات الدينية هم ضحـايا حالة الغموض التي نتجت عـن ذلـك الفـشل الذي أقفلت الأنظمة الـوطنية عليـه طريقهـا في تصريف شؤونهـا، بعـد أن أدركت عمق الهـوة التي تفصل بينـها وبين ما كانت تـوهـم نفسهـا وشعـوبها بقرب الوصول إليه.

في لحظة ما فقدت الحبوب المخدرة التي كانت الدعاية الرسمية توزعها على “الجماهير” قدرتها على التأثير المطلوب. وهي اللحظة التي شعرت الجماعات الدينية بأنها مواتية لخروجها من أقبيتها السرية والقبض على المجتمع وهو في أشد حالاته ضعفا ورثاثة.

ما حدث كان أكثر يسرا مما تخيلته زعامات تلك الجماعات.

فما لم يكن يتوقعه أحد في العراق، على سبيل المثال، أن يتصدر مرشحو حزب الدعوة الإسلامي قائمة الفائزين في أول انتخابات يشهدها العراق في ظل الاحتلال الأميركي.

المفاجئ في الأمر أن المزاج الشعبي في العراق لم يكن قبل الاحتلال دينيا. فما سر ذلك الاستسلام الذي جر البلاد إلى كارثة، إن لم تكن أسوأ من كارثة الاحتلال فإنها تدانيها في ما ستتركه من آثار سلبية على مستقبل العراق؟

في الوقت الذي قطفت حركة النهضة أول ثمار الثورة التونسية، فإن جماعة الإخوان المسلمين صعدت على أكتاف الشباب المصري المتمرد الذي لم يرفع في تظاهراته شعارا دينيا واحدا.

أما في سوريا فإن الإرهاب الديني وأد الثورة في أشهرها الأولى وسار بها إلى حتفها.

وقد يكون من المؤلم السؤال عن حجم الأمل الذي خلفه الأخ معمر القذافي في نفوس رعايا جماهيريته التي انقرضت. لقد كان نظام القذافي نموذجا مثاليا في خيانته للأمل الذي كان واحدة من أهم صناعاته الوطنية.

وإذا ما كان فشل الجماعات الدينية في إدارة شؤون المجتمع متوقعا، فإن ما لم يكن متوقعا أن تعترف تلك الجماعات بفشلها من أجل أن تهبَ المجتمع فرصة للعودة إلى سويته. كانت حركة النهضة في تونس استثناء لا يتكرر.

وكما أرى فإن شعوبنا ستظل عاجزة عن التماهي مع إرادتها ما لم تهتدِ إلى الطريق التي تقود إلى الأمل، الذي لن يكون كذبة هذه المرة.

كاتب عراقي

9