خيانة الإنتلجنسيا

الخميس 2014/01/30

لعلّ أهمّ ما في «الربيع العربيّ» أنّه كشف -من جهة- عن العفن البنيويّ المتغلغل في لحم النظام السياسيّ والنخب الحاكمة وأجهزة الدولة العربيّة؛ ولفت الانتباه -من جهة أخرى- إلى اهتراء الإنتلجنسيا العربيّة الّتي أربكتها حركة التاريخ المفاجئة وأوقعتها في الفوضى والتخبّط والانفصال عن الواقع.

كان من المفروض أن تكون الإنتلجنسيا في متن الشارع لتواكب تحوّلاته العميقة ولتكون الناطق الفعليّ باسمه.

لكنّها غابت طويلاً عن الشارع، ثمّ راحت تلهث جاهدة للّحاق بالأحداث الخاطفة وقد أصيب وعيها السالب بصدمة كبيرة، مع أنّ كلّ شيء كان يشير إلى حتميّة وقوع تلك الأحداث. لقد تحوّلت الأحزاب السياسيّة النخرة -بما فيها الأحزاب الإسلاميّة واليساريّة والقوميّة والليبراليّة- وممثّلو الثقافة الراكدة والإعلام المنافق إلى كتلة مشوّهة “تتفرّج” على الحدث وهو يحدث دون أن تشارك فيه، وتبالغ في الهتاف والثرثرة كأنّما لتوهم نفسها ولتوهم الشارع بأنّها كانت داخل اللحظة السحريّة، الّتي طالما حلم بها الجميع: لحظة ولادة الحدث الثوريّ. لكنّ الحقيقة هي أنّ الإنتلجنسيا العربيّة كانت في مكان آخر.

ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحا أنّ «الربيع العربيّ» ليس ثورة بالمعنى المدرسيّ التقليديّ، بل هو شكل جديد من أشكال “الحراك الثوريّ” الّذي تحتاج مقاربته إلى وعي نقديّ جديد. لكنّ الإنتلجنسيا تشبّثت بوعيها السالب اللانقديّ، وانخرطت في إنتاج مقاربات هستيريّة متضاربة للواقع الجديد، بحيث تحوّل “الحلم”، الّذي انتظرناه طويلا، إلى هذيانات كابوسيّة لا نهاية لها.

ولو عدنا إلى أرشيف الثورة المصريّة -مثلا- لوجدنا أنّ الدور الّذي لعبته الإنتلجنسيا، من خلال وسائل الإعلام والفضائيّات بالتحديد، كان دورا ارتكاسيًا ساهم في إطفاء جذوة الحلم الثوريّ وبثّ الفوضى وتمهيد الطريق لعودة الفلول. لقد خانت الإنتلجنسيا المصريّة الشارع، وتخلّت عن المعجزة الثوريّة الّتي حقّقها إمّا بسبب صراعاتها الإيديولوجيّة، أو بسبب انتهازيّتها، أو بسبب وعيها السالب اللانقديّ وعجزها عن تخيّل مصر أخرى بنظام مختلف.

إنّ أبشع ما في المشهد المصريّ الحاليّ هو الفوضى الّتي صنعتها الإنتلجنسيا بوعي أو بغير وعي، واستغلّتها “الفلول” على أكمل وجه. لقد كان مذهلا وغير مفهوم برأيي أن تقوم ابنة جمال عبدالناصر بانتخاب أحمد شفيق، وأن يتحالف حمدين صبّاحي مع عمرو موسى، وأن ينضمّ محمّد حسنين هيكل إلى انقلاب السيسي. إنّ مثل هذه المواقف الغريبة ما كان ليصدر إلاّ عن وعي سالب لانقديّ لم يتحرّر بعدُ من ذاكرته الصراعيّة، فهي كلّها مبنيّة على “الخوف” من الآخر الإخوانيّ، و”التربّص” به، والرغبة في “إقصائه”.

لكنّ المشهد ازداد تشوّها مع انتقال الربيع العربيّ إلى سوريا، حيث انخرطت الإنتلجنسيا، في كلّ من سوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين، في رسم مشهد شديد القبح لمثقفين عصابيين وتنظيمات وأحزاب وصنّاع رأي يتحالفون مع السلطة ضدّ العقل، وينحازون بشكل أعمى إلى جانب النظام الأسديّ الدمويّ الّذي دمّر سوريا عن بكرة أبيها. والغريب في الأمر أنّ ذلك كلّه يتمّ في إطار ثقافة “الخوف والتربّص والإقصاء”، الّتي تضع العدوّ الصهيونيّ في الظلّ وتسكت عنه، فيما تسلّط الضوء كاملا على الإسلاميين بوصفهم عدوّا أوّل.

إنّ علينا، بعد كلّ هذا، أن نعيد النظر في مفهوم “ثقافة السلطة”، الّذي لم يعد يقتصر على مبدإ الموالاة لنظام الحكم، بل راح ينفتح وينفتح ليشمل كلّ أشكال الثقافة السالبة اللانقديّة، الّتي تكرّس اليأس، والانتهازيّة، والعدميّة، والجبن، واللاعقل بما يخدم مصلحة السلطة في النهاية، تلك السلطة الّتي ما زالت تقف وراء كلّ هزائمنا المستمرّة.


شاعر من فلسطين

14