خيانة التجريد

الاثنين 2017/08/07

هناك رسامون تجريديون كُثر في العالم العربي، بل يمكنني أن أجزم أن معظم التجارب الفنية الحالية يمكن تصنيفها باعتبارها محاولات تجريدية، لكن هل هي كذلك حقا؟

ينسب العرب كل شيء لا يجدونه مترابطا ولا يفهمونه إلى السريالية، وهي الطريقة عينها التي فهموا من خلالها التجريدية، كل لوحة لا تمثل أشخاصا أو منظرا طبيعيا أو حياة جامدة هي بالنسبة لهم لوحة تجريدية.

ليس مهما السؤال الذي يتعلق بالمشهد أو الحياة التي جرى تجريدها من خلال اختراقها وتفكيكها ومن ثم إعادة تركيبها، تجريديتنا ليست موقفا من العالم، بل هي مجرد غطاء تزييني، لذلك نشأت لدينا تيارات تجريدية كان هدفها في الأساس تجاريا.

الحروفية العربية على سبيل المثال كانت في معظم تجاربها تيارا فنيا مارس سطوته من خلال الأسواق، لقد قفز الخطاطون إلى الرسم بمظلات حروفية فصاروا رسامين تجريديين تُقام لهم المعارض ويُحتفى بهم وتُباع لوحاتهم بأعلى الأسعار.

هناك أيضا مَن لا يعرف من الرسم سوى الشخبطة ودلق الأصباغ بطريقة عشوائية صار رساما تجريديا تستضيفه الملتقيات الفنية وتُفتح له أبواب القاعات الفنية، بالرغم من أنه لا يعرف شيئا من أبجديات الرسم، هناك أميون في الرسم صاروا رسامين مكرسين باسم التجريد.

ظاهرة معادية للمعرفة من ذلك النوع يمكنها أن تؤسس لكيان ثقافي مشوه، ما لا يصح أن يكون التجريد مجرد لعب عبثي ومجاني بالأصباغ، ذلك الفهم يشكل استهانة واستخفافا بعصور من التجربة الفنية العالمية.

التجريد هو خلاصة كل عصور الرسم، فحين نسلك الطريق التي تصل بين تجريديات البريطاني تيرنر ابن القرن الثامن عشر وتجريديات الفرنسي كلود مانيه ابن القرن التاسع عشر وصولا إلى تجريديات الأميركي سي تومبلي ابن القرن العشرين، نكتشف قيمة الكدح البصري الذي قام به الرسامون من أجل الوصول إلى الخلاصة الإنسانية التي تنطوي في الوقت نفسه على خلاص الفن، ما يفعله رسامو اليوم إنما يشكل خيانة لكل تلك الجهود النبيلة.

كاتب عراقي

16