خيانة المالكي العظمى التي انطلت على الجميع

الثلاثاء 2014/06/17

باستثناء مقاربات عابرة، أفلت جوهر الكارثة التي فجّرها رئيس الوزراء نوري المالكي من جميع التعليقات والآراء التي صدرت عن السياسيين والمحلّلين والمراقبين حتى الآن.

معظم تلك الآراء والتحليلات تركز على حجم الخطر والأخطاء التي ارتكبها المالكي وقادته العسكريون في الموصل، وبعد ذلك في بقاع واسعة من محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى وقبل ذلك في الأنبار.

الجميع يصرخ كيف يمكن أن ينسحب جميع القادة العسكريين في ساعة واحدة، فيؤدي ذلك إلى انسحاب أكثر من 60 ألفا من منتسبي قوات الجيش والشرطة المسلّحين بالدبابات والطائرات أمام مئات، وفي أقصى الحالات 3 آلاف من المسلحين بالبنادق؟.

تُطرح الأسئلة الصارخة ولا يتم توجيه الاتهام الواضح والحتمي. والأمر ببساطة هو أن المالكي أطلق شرارة هذا الانهيار ووضع العراق على حافة الهاوية عمدا، كي يبقى في قمة هرم السلطة.

لم يتناول أحد بتركيز حاسم أن طريق المالكي للولاية الثالثة كان قد اقترب من الانغلاق، وأنّه لا يستطيع أن يترك رئاسة الوزراء بسبب خشيته من أن أي رئيس جديد للوزراء لن يتمكن من إهمال ملفات الفساد والأخطاء، إن لم نقل الجرائم التي ارتكبها، وأنه على يقين من أنه لن يفلت من المحاسبة إذا خرج من رئاسة الوزراء.

وفي لحظة جنون قرّر أن يدفع الأوضاع إلى الانهيار بأن أوعز إلى القادة العسكريين بترك مواقعهم، وهو ما تؤكده عشرات الشهادات المصورة بعفوية لبعض الجنود.

أمام هذا الفراغ لا بدّ أن تتقدم الجماعات المسلّحة والكثير من الناقمين على سياسات المالكي وأن تكبر الكارثة إلى الصورة التي نراها الآن.

جميع الشهادات تؤكّد أن عدد المسلحين لم يكن يتجاوز المئات في البداية، ولكن يمكننا أن نتخيل انضمام أعداد من الغاضبين من سياسات حكومة المالكي، ليكبر العدد وربما وصل الآن إلى عشرات الآلاف.

لا يوجد في قاموس المالكي أنّه يمكن أن يخرج من الحكم، بل إن خروجه سيزداد صعوبة إن بقي لأربع سنوات أخرى، وسيقضي على جميع خصومه هذه المرة كي يضمن البقاء في السلطة لولاية رابعة وعاشرة.

كيف يمكن لنا أن نتخيل رئيس وزراء جديدا يبقي عشرات الآلاف من أتباع المالكي الذين احتلوا معظم مفاصل الدولة دون وجه حقّ. وكيف يمكن له أن يتجاهل ملفات الفساد ومليارات الدولارات التي سرقت أثناء حكم المالكي؟ ناهيك على الأخطاء والجرائم التي ارتكبها.

زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح كان خروجهم من الحكم صعبا ولكنّه ممكن في نهاية الأمر، لكن خروج القذافي وبشار الأسد كان مستحيلا بسبب التركة الثقيلة وارتباط جميع ملفات البلاد بهما.

خروج المالكي أصبح هو الآخر مستحيلا، رغم الفارق النسبي عن القذافي والأسد، لأنّه وجد نفسه في ذات المربّع، وأصبح بسبب ثقل الملفات التي تحاصره وارتباط مصير عشرات الآلاف من أتباعه به، لا يرى سوى البقاء في السلطة. وقد يكون يتمنى أنّه لم يرتكب تلك الأخطاء كي يكون خروجه ممكنا.

وحين أيقن من رفض الكتل السياسية الخمس، وهي التيار الصدري والمجلس الأعلى والأكراد والوطنية ومتحدون، لبقائه في السلطة، لم يجد أمامه في ساعة جنون سوى أن يفجر الأوضاع في الموصل. قد نقرأ في ذلك ثورة غضب لأن الأيام التي سبقت “خيانته العظمى” شهدت محاولة من سليم الجبوري لإحداث انشقاق في “متحدون” لإكمال نصاب المالكي لتشكيل الحكومة، إلاّ أن إصرار زعيم الكتلة أسامة النجيفي دفع الجبوري إلى العدول عن ذلك.

ربما كانت تلك هي القشة التي دفعت المالكي إلى الانتقام من النجيفي والموصل.

المؤسف أن خيانة المالكي العظمى انطلت على الكثيرين، من الشارع الخائف إلى خصوم الأمس وصولا إلى المرجعية الشيعية التي لا يمكنها مقاومة خوف الناس البسطاء. فهل يعقل أن تمنحه خيانته العظمى ولاية جديدة، ومن خلال هذا السيناريو الجهنّمي الذي قد لا ينجو منه العراق؟.

3