خيبة أمل جديدة للشارع السني العراقي بسبب تناحر قياداته

الصراع الدائر داخل البيت السياسي السنّي العراقي، وإن كان مظهرا للتشوهات الكثيرة في العملية السياسية الجارية في العراق، فإنه يعكس بدرجة أكبر ضعف الطبقة السياسية التي ترفع يافطة تمثيل أبناء الطائفة السنية وانصرافها عن خدمة قضايا هذا المكون إلى الدفاع عن مصالحها الخاصة.
الاثنين 2016/08/08
تنافس كسر قواعد اللعبة

بغداد - أضافت الفضيحة التي فجّرها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي باتهامه عددا من الشخصيات على رأسها رئيس البرلمان سليم الجبوري بمحاولة ابتزازه، خيبة أمل جديدة لدى أبناء الطائفة السنية في العراق من الطبقة السياسية التي تعلن تمثيلهم، والتي كثيرا ما نُظر إلى كبار قادتها ورموزها باعتبارهم “مجرّد واجهة” لتجميل وجه نظام الحكم الذي أقامه الاحتلال الأميركي بالتعاون مع إيران ومُنح زمام القيادة فيه للأحزاب الشيعية.

ويشكو سنّة العراق منذ سنة 2003 من التهميش والإقصاء عن مواقع القرار الفعلية والمؤثرة في الدولة، وترى غالبيتهم أنّ إسناد عدد من المناصب لشخصيات من طائفتهم في نطاق نظام المحاصصة المعمول به في العملية السياسية الجارية بالبلد، يظل غير مؤثر في واقعهم، على اعتبار أن الكثير من تلك الشخصيات كانت دائما موضع اتهام بالفساد وعدم الكفاءة، وفي أدنى الحالات بالعمل لمصلحتها الخاصة ولفائدة تياراتها وأحزابها.

ورغم أن الفضيحة التي فجّرها وزير الدفاع العراقي مؤخرا خلال جلسة استجوابه في البرلمان طالت شخصيات شيعية، كما أنّ جهات سياسية ممثلة للمكون الشيعي انغمست بسرعة في الجدل والصراع اللذين فجّرهما العبيدي، فإن قطبي القضية يظلاّن من المكوّن السنّي.

وإذا كان لا بدّ من رابح وخاسر في القضية التي انتقلت إلى أروقة القضاء وأصبحت مطروحة أمام هيئات رسمية مثل هيئة النزاهة، فإنها ستفضي حتما إلى هزيمة طرف سنّي أمام آخر. وستخلّف حتما المزيد من التناحر والشقاق في صفوف الأحزاب والتكتلات التي تدّعي تمثيل السنّة في العملية السياسية.

وبحسب متابعين للشأن العراقي فإن الطرف الرابح في القضية سيكون خاسرا بالضرورة لأنّه سيكون مستقبلا تحت رحمة جهات شيعية نافذة لا يمكنه بدونها الانتصار على “عدوّه” الذي ينتمي إلى مكوّنه ذاته.

صراع الجبوري-العبيدي سيخلف المزيد من التناحر والشقاق في صفوف الأحزاب والتكتلات التي تدعي تمثيل السنة

واصطفت العديد من الجهات الشيعية إلى جانب وزير الدفاع خالد العبيدي، أبرزها رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يخشى إسقاط وزير دفاعه في هذه المرحلة الحاسمة من الحرب على تنظيم داعش، بينما كان من أبرز المصطفين إلى جانب رئيس البرلمان سليم الجبوري، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلامية وقائد ائتلاف دولة القانون، لسببين على الأقلّ، أولهما الخوف من توسّع الفضيحة لتشمل ملابسات سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش وهو حدث واقع ضمن مسؤولية المالكي الذي كان يقود الحكومة والقوات المسلّحة عند سقوط المدينة، وثانيهما أنّ المالكي لا يريد أن يرى خلفه في منصب رئيس الوزراء يحقّق إنجازا في الحرب على تنظيم داعش ويسعى لإفشاله من خلال إسقاط وزير دفاعه.

وطالب المالكي، الأحد، بعدم إقالة رئيس البرلمان لحين حسم القضايا المرفوعة ضده، قائلا في تصريح صحافي إنّه خاطب جميع الكتل السياسية، ومن ضمنها ائتلاف اتحاد القوى الذي يضم حزب سليم الجبوري، داعيا إياها إلى عدم تغيير الأخير.

وجاء ذلك في وقت أصبح فيه سيناريو إقالة الجبوري من رئاسة البرلمان خيارا مطروحا ومتداولا داخل الأوساط السياسية والبرلمانية العراقية.

ولوح محمد نوري العبدربه النائب السني عن محافظة نينوى، الأحد، باحتمالية تغيير رئيس البرلمان وترشيح بديل عنه على خلفية فضيحة الفساد التي أثارها وزير الدفاع خالد العبيدي.

وشرع القضاء العراقي في تدوين إفادات وزير الدفاع خالد العبيدي بشأن قضايا الفساد في المؤسسة العسكرية والتي طالت كلا من رئيس البرلمان سليم الجبوري والنواب محمد الكربولي وطالب المعماري وحيدر الملا وحنان الفتلاوي وعالية نصيف وآخرين لم يتم الكشف عن أسمائهم، فيما خضع رئيس البرلمان للاستجواب من قبل اللجنة التحقيقية في هيئة النزاهة البرلمانية. ويضمن رئيس البرلمان العراقي بدعم نوري المالكي له “مظلّة سميكة” قد تحميه من المحاسبة وتساعده على الصمود في منصبه، نظرا لما لزعيم حزب الدعوة من سلطة ونفوذ مازال يتمتع بهما من خلال شبكة علاقات واسعة ومعقّدة كان نسجها خلال قيادته الحكومة لفترتين متتاليتين، وضمن له من خلالها أذرعا ممتدة في مختلف مؤسسات الدولة بما في ذلك القضاء.

لكن ذلك لن يكون من دون مقابل سيتعيّن على سليم الجبوري تسديده لاحقا، وقد يصل الثمن إلى حدّ أن يصبح رئيس البرلمان أداة في صراعات نوري المالكي التي لا تنتهي على السلطة والمرشّحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة حين يقترب موعد الانتخابات النيابية.

ويرى عراقيون أن ما نشب داخل “البيت السياسي السنّي” في العراق ليس سوى صدى لتشوّهات العملية السياسية العراقية ككل، ذلك أنّ صراعات مماثلة وأكثر ضراوة تهز “البيت السياسي الشيعي” من الداخل، لكن مع فارق جوهري يتمثّل في أنّ القادة والرموز الشيعة يتصارعون لحسابهم الخاص، بينما القادة السنّة كثيرا ما يستخدمون كأدوات في صراع وتصفية حسابات تتجاوزهم وإنّ دارت حول مكاسب ومنافع سياسية ومادية مباشرة لهم.

3