خيبتنا "السودة"

الأربعاء 2018/01/17

ليس من قبيل المبالغة أن أؤكد أن أكثر من تعرَّض للظلم في التاريخ المصري، قديمه وحديثه، ليس الحكام، ولا الملوك، ولا السلاطين أو الرؤساء، ليس الشعب ولا الجيش، ولا الشرطة، إنه ـويا للمفارقةـ فرعون، ومعه كل “الفراعين” الذين سادوا ثم بادوا، بعد أن تركوا لنا كل هذا الإرث الحضاري الضخم الذي يماثل ثلث آثار العالم ولم نعرف بعد كيف نتعامل معها.

نعم.. هو “فرعون”.. الذي لم يكن اسما محددا لشخص بعينه، وإنما هو لقبٌ أو صفةٌ لكل من حكموا مصر قديما وطيلة 7 آلاف عام، يأتي من بعده من يمحو عمدا ذكر سلفه ليستأثر بها على أحجار التمجيد، وربما يتهمه البعض بـ”الكفر” لأنه قضى غرقا بمواجهة نبي الله موسى.

هو كل فرعون نلعنه صباح مساء بسياط شائعات القهر والدكتاتورية والسخرة، مع أنه الوحيد تقريبا، الذي ترك لنا بعد مماته، إرثه التاريخي لنتاجر به، ونستدرُّ عبرهُ صناعة سياحة “غائبة” تصرف على الدولة والشعب وتنتشل الخزانة العاجزة بالمليارات من الدولارات سنويا.

وإذا كنا نحن، وهكذا غالبية العرب، نتشدق كثيرا، ونملأ الدنيا صخبا وضجيجا، بأننا قومٌ ذو حضارة تتعدى 7 آلاف سنة، وأن أجدادنا العظماء تركوا لنا الهرم الأكبر، إلا أن السؤال المخجل: ماذا فعلنا نحن؟ الإجابة الساخرة: أنشأنا “شارع الهرم” للكباريهات والملاهي الليلية فقط، وفشلنا حتى الآن على الأقل، في إنجاز ولو مشروع واحد يمكن أن يتباهى به أبناؤنا وأحفادنا، إلا ما رحم ربي.

ولأن خيبتنا “سودة”، فقد اكتفينا باللعن وفشلنا حتى في الترويج لما تركه جدنا “فرعون” بالعديد من سلوكيات “الشطارة” و”الفهلوة” والابتزاز القبيح، التي تنهي مغامرة أي سائح بانطباع رديء، فيما دول أخرى لا تملك شيئا، تعبئ لنا السياحة في “أزايز” وتبيع الهواء بشكل مبهر ومقنع.. وجولة واحدة تحت سفح الهرم الأكبر، أو “أبوالهول” تفضح كل هذا العبث الذي يتم علنا في أبشع عملية ضحك على الذقون، وقد جربتها مرَّة ولم أكررها أبدا.

عن نفسي.. أشفق على الفراعنة، وعلى كل فرعون ترك كل هذه الكنوز الثرية، سواء اعتقادا بأنها ستكون ذخرا له في رحلة الخلود الأبدية، أو معينا لاحقا لأحفاده يتباهون و”يتفشخرون” به وسط الأمم، وغالبا ما يسرقه ضعاف النفوس ليبيعونه سرّا.

أشفق على جدي الفرعون المظلوم جدا.. لأنه اقتطع مما يملك هو شخصيا، وتركه إرثا لمن لا يستحقه من أبنائه وأحفاده.

24