خيرية المنصور.. الموهبة والاجتهاد

السبت 2017/06/03

حين قرأت منذ أسابيع خبراً مفاده أن المخرجة السينمائية العراقية خيرية المنصور تكتب سيناريو فيلم روائي بعنوان”دعونا نغني” وتعد لإخراجه في الولايات المتحدة الأميركية لحساب شركة “كروب” أحسست بالفخر وبالفرح، فهي بهذا الفيلم ستدخل فضاء السينما العالمية، ولأنني أعرف خيرية المنصور، الموهوبة المثقفة والمجتهدة، فأنا على مقربة من اليقين بأنها قادرة على تقديم فيلم ناجح، بقدر ما يضيف إلى تاريخها السينمائي، يضيف في الوقت ذاته جديداً إلى صناعة السينما.

وكانت قبل مشروعها هذا قد أخرجت لحساب إحدى شركات الإنتاج السينمائي الأميركية، ثلاثة أفلام تسجيلية عن التعليم، وهي كما أعرف، في جميع تجاربها في الإخراج السينمائي، تكتب سيناريوهات أفلامها أو تشارك في كتابتها.

إن خيرية المنصور صديقة عزيزة، أقدرها وأحترمها وأتابع أعمالها السينمائية، وقد توثقت علاقتي الثقافية بها ومن ثم الشخصية، حين قرأت ما قاله المخرج الكبير يوسف شاهين، بعد عرض فيلمها “6 على 6” حيث قال “أنا فخور بخيرية المنصور، وأستطيع أن أراهن عليها، بأنها ستكون مخرجة لها شأن في المستقبل، وأنا أحسب أن “6 على 6” فيلم متميز، ذلك لأنه يكشف عن قدرات المخرجة في إدارة مجموعة من الممثلين والممثلات ببراعة”.

يومها سألت يوسف شاهين، إنْ كان جاداً في ما قال؟ فأجابني “وهل كنت غير جاد في كل ما له علاقة بالسينما؟”.

لقد بدأ هذا الرأي بها، والحديث مازال ليوسف شاهين، منذ أن شاهدتها وهي تعمل مساعدة لتوفيق صالح، في فيلم “الأيام الطويلة”، ومن ثم طلبتها لتعمل مساعدة مخرج معي.

ومن المعروف أنها عملت مساعدة مخرج مع يوسف شاهين في عدد من أفلامه وهي “حدوتة مصرية” و”اسكندرية كمان وكمان” و”المصير”، وفيلم “كلها خطوة”، والأخير فيلم قصير. إن عملها مع يوسف شاهين منحها خبرات مهمة، وقد رسَّخَت هذه الخبرات بجهد عملي واجتهاد ثقافي، وقد اطلعتُ على فصول من كتابها “شرنقة شاهين الحريرية” حيث تناولت تجربتها في العمل معه، وهذه الفصول تفصح عن استعداد معرفي وموقف أخلاقي نبيل.

ومما قربني إليها، فاطلعت على منهجها في العمل بعامة، وفي الإخراج السينمائي بخاصة، اختيارها قصيدتي “اللوحة الأخيرة” التي كتبتها عن استشهاد التشكيلية العراقية ليلى العطار، وأبقت عنوان القصيدة عنواناً لفيلمها القصير “اللوحة الأخيرة” وكتبتْ سيناريو الفيلم مع الكاتبة المصرية وفاء عوض، وكنت أرافقها إلى استوديو التسجيل الصوتي، لأسجل بعض مقاطع القصيدة، فأدركت دقتها في العمل، وكانت تضطرني إلى إعادة تسجيل مقطع صغير من القصيدة مرات ومرات، حتى تصل إلى القناعة بالتسجيل الصوتي، فتطلق سراحي، وكنا نتأخر في بعض الأيام إلى ساعات متأخرة من الليل. وقد حقق هذا الفيلم نجاحاً كبيراً، حين عرض للمرة الأولى في افتتاح إحدى دورات مهرجان المربد، على صعيدي النقد والتلقي، واستمر حضوره في تواصل حتى الآن.

لقد حاولت خيرية المنصور بعد الاحتلال الأميركي- الإيراني لوطنها أن تؤدي دورها في مقاومة هذا الاحتلال المزدوج، من خلال وعيها المقاوم، غير أن إحدى الميليشيات الطائفية المرتبطة بإيران حاصرتها وهددتها، مما اضطرها إلى مغادرة العراق والإقامة في مصر، غير أنها لم تعتكف ولم تتوقف عن عملها الفني، فأخرجت عدداً من الأفلام القصيرة الناجحة، منها تلك التي كانت بعنوان “طيور مهاجرة” تناولت فيها سير مبدعين عراقيين يقيمون بعيداً عن وطنهم، وتوجتها بفيلم طويل هو” الثلج لا يمسح الذاكرة” عن احتلال العراق وهو أول فيلم يصور بشاعة جرائم الاحتلال.

تحية لخيرية المنصور.. المبدعة بامتياز والمثقفة والصديقة، ولأنني أعرفها كما هي، وأثق بقدراتها، أنتظر منها ما يؤكد مكانتها في حاضر وتاريخ السينما العربية والعالمية.

كاتب عراقي

16