خيرية المنصور كما رآها يوسف شاهين

مخرجة عراقية دخلت القاهرة بشخصية وغادرتها بأخرى.
السبت 2020/03/28
المنصور حقّقت نبوءة شاهين بتميزها

البدايات في الغالب تكون محفوفة بالمصاعب، خاصة الفنية منها، وقلّة هم من كانت انطلاقتهم الفنية مفروشة بورود النجاح، لفتنة وحنكة مخصوصتين لهم. وهو حال المخرجة العراقية خيرية المنصور التي جمعتها الحياة المهنية في بداياتها بمخرج عبقري اسمه يوسف شاهين.

منذ أيام كنت بحاجة إلى معلومة تتعلق بالفيلم العراقي “ستة على ستة” للمخرجة خيرية المنصور، وعنَّ لي أن أراجع ما كتبته في أوراقها المبعثرة بعنوان “شرنقة يوسف شاهين الحريرية المعرفية”، والذي صدر في كتاب تتحدّث فيه عن علاقتها السينمائية بالمخرج الشهير يوسف شاهين.

وهي التي عملت معه، مساعدة مخرج، لزمن غير قصير امتد خلال إخراجه أربعة من أفلامه المميزة، التي وصل فيها إلى ما يمكن أن نصفها بأنها شخصيته الإخراجية بمكوناتها وتوجهاتها وكل ما يميزها، وهذه الأفلام، هي: “حدوتة مصرية” و”إسكندرية كمان وكمان” و”كلها خطوة” و”المصير”.

بين المنصور وشاهين

كتاب تتحدّث فيه خيرية المنصور عن علاقتها السينمائية بالمخرج يوسف شاهين
كتاب تتحدّث فيه خيرية المنصور عن علاقتها السينمائية بالمخرج يوسف شاهين

لقد سبق لي أن قرأت هذا الكتاب، وكتبت إليها بشأنه، قائلا “لم أدرك الكثير ممّا جاء فيه، ممّا يتعلّق بالفن السينمائي، على صعيد العمل أو المصطلح، وما استوقفني فيه وأحببته، هو العلاقات الإنسانية، سواء بينك وبين شاهين أو بينك وبين العاملين في الفيلم من ممثلين وفنيين ومساعدين”.

لكن عودتي إلى قراءته، أعادتني إلى عمق العلاقة الإنسانية التي أساسها ثقافي، بين مخرج شهير وشابة موهوبة، ووجدت في هذه العلاقة ما يستحقّ الوقوف عنده والكتابة عنه. وما شجّعني على الكتابة عن هذه العلاقة الإنسانية، كوني أعرف طرفي العلاقة وقد سمعت من خيرية المنصور منذ أن أنهت عملها مع شاهين وعادت إلى بغداد، الكثير ممّا حدّثتني عنه بشأن تجربتها هذه، وما أفادت منها.

وأذكر أنها قالت لي يوما “لقد وصلت إلى القاهرة بشخصية سينمائية وغادرتها بشخصية سينمائية أخرى”، فهي صديقة عزيزة، طالما حرصت على متابعة أعمالها السينمائية وكنا في حوار دائم، بل لقد اشتركنا في عمل سينمائي تسجيلي، هو فيلمها “اللوحة الأخيرة”، حيث اعتمدت في سيناريو الفيلم على قصيدتي بالعنوان ذاته، والفيلم كما القصيدة عن استشهاد الرسامة العراقية ليلى العطار. وكنت أرافقها في بعض مراحل عملها لإنجازه وبخاصة في مرحلة تسجيل الصوت والموسيقى وطلبت مني أن أسجل القصيدة بصوتي، وعرفت كم هي دقيقة في عملها وكم هي جادة في علاقاتها مع الآخرين ممّن يعملون معها. وكانت تلزمنا ومعي الموسيقار علي عبدالله بالبقاء في أستوديو التسجيل الصوتي إلى ساعات متأخرة من الليل، حتى كأنها غير الصديقة التي أعرفها برقّتها ودماثة أخلاقها.

أما شاهين فقد عرفته في بغداد وجرى بيننا حديث عن السينما العربية، وأذكر أنّني اقترحت عليه إخراج فيلم عن الملك البابلي نبوخذ نصر، وكان جبرا إبراهيم جبرا قد كتب مشروع سيناريو عنه، ولم يكن شاهين قد اطلع عليه. غير أن نقاشنا قد ذهب إلى بعض صفحات التاريخ ممّا أبعدنا عن مقترحي بشأن الفيلم، وحين زار بغداد وعرض فيلمه “حدوتة مصرية” وحضر العرض عدد قليل من المسؤولين والفنانين، طلب أن أكون حاضرا، وبعد العرض شاركت في النقاش الذي دار بشأنه.

وفي إحدى زياراتي إلى القاهرة، صادف أن كانت خيرية المنصور هناك، وحين التقينا اقترحت عليّ أن نزوره في مقر شركته “أفلام مصر العالمية”، وزرناه معا، ولاحظت طبيعة العلاقة بينهما، فقد كان يعاملها كأنها واحدة من أفراد أسرته، وكان يخاطبها باسم “خوخة” وتخاطبه باسم “جو”.

المخرجة العراقية عملت مع يوسف شاهين كمساعد مخرج في "حدوتة مصرية" و"إسكندرية كمان وكمان" و"كلها خطوة" و"المصير"
المخرجة العراقية عملت مع يوسف شاهين كمساعد مخرج في "حدوتة مصرية" و"إسكندرية كمان وكمان" و"كلها خطوة" و"المصير"

وقد حدّثتني يوما عن بداية العلاقة بينهما، وكان ذلك خلال تصوير فيلم “الأيام الطويلة” الذي أخرجه توفيق صالح، وكانت قد تخرّجت حديثا من أكاديمية الفنون الجميلة -قسم السينما- ولنباهتها المبكّرة، عملت مساعدة مخرج، وزار شاهين العراق وحضر تصوير بعض المشاهد التي صوّرت في البداية. وتقول “في الاستراحة حدّثته عن انطباعاتي عن فيلم “العصفور”، وعن توجهاته الخاصة في الإخراج، وكان يصغي إلى كل ما أقوله بانتباه، ووصفته أنه في أفلامه، سياسي ومُفكّر ومُحرّض ومُصلح اجتماعي، حيث يجد المشاهد المُدقّق أكثر من مدرسة سينمائية”.

وهناك حقيقة غير قابلة للجدل، كون شاهين مدرسة سينمائية خاصة به وبأسلوبه، فهو مفاجأة في كل فيلم من أفلامه، وهنا قال لتوفيق صالح “عايز البنت دي معايا مساعدة”، ثم التفت إليّ: “تشتغلي معايا؟”. فقلت له “يا ريت”.

ثم يبدأ عملها مع يوسف شاهين، مع بداية الإعداد لفيلم “حدوتة مصرية”، ومنذ أن وصلت إلى مطار القاهرة ووجدت في استقبالها ابنة أخت يوسف شاهين ومدير العلاقات في شركة أفلام مصر العالمية، أحسّت بنوع من الاطمئنان، ثم كان اللقاء في بيته مع مجموعة من العاملين في الفيلم، يقدّمها لهم ويتحدّث عنها باحترام وتقدير.

حضور بارز للمخرجة خيرية المنصور
حضور بارز للمخرجة خيرية المنصور

وتقول عن هذا اللقاء “لقد أثلج قلبي فرحا، وتلاشى خوفي وقلقي، فطريقة كلامه وطيبته ومرحه، أشعرني بالقرب منه وكل الجدران التي افترضتها تهدّمت بمعول أخلاقه الراقية، ووزّع علينا المهام بعد أن تحدّث عن فكرة الفيلم وأحداثه”.

وكان واجبها هو الإشراف على السيناريو التنفيذي، وهي مهمة صعبة تحتاج إلى خبرة واستعداد. وقال لها “أنت الآن تحت مجهري، فإن كنت جيّدة ستستمرين معي، ابذلي جهدا مضاعفا، وربنا معك، وأنا معك، اسألي عن كل شيء من دون تردّد، لتتعلّمي”.

وبدأ العمل في الفيلم ورافقته خيرية المنصور التي أصبح اسمها “خوخة” عند جميع العاملين، منذ أن ناداها شاهين بهذا الاسم، وكانت مُثابرة ودقيقة في تنفيذ كل ما هو ضمن واجبها أو ما يطلبه المخرج منها، بل أنها مثّلت أحد الأدوار حين تأخرّت إحدى الممثلات في الوصول إلى مكان التصوير، وكانت تسأل عن كل شيء وتسجّل كل ما ترى وما تتعلّمه من جميع العاملين، وصاروا جميعا من أصدقائها.

وحيدة بين الذكور

استمر عمل خيرية المنصور في فيلم “حدوتة مصرية” سنة وشهرين. وتقول عن تجربتها هذه “لقد وضع شاهين قدمي على سُلَّم السينما وعليَّ أن أجتهد كي أحقّق اسما مرموقا وأن أحفر في الصخر، لأنني امرأة وحيدة وسط حشد من المخرجين الذكور”.

وحين انتهى العمل في الفيلم، قال لها شاهين “اتخذي دائما شعار أن السينما ليست للتسلية فقط، أتمنى لك مستقبلا زاهرا وستكونين معنا دائما”. وفعلا لقد عملت معه في أربعة أفلام، ومنحها وسام يوسف شاهين، وهذا دليل على نجاحها في عملها معه.

وسواء في ما سمعته من خيرية المنصور أم في ما قرأته في كتابها وفي بعض الحوارات الصحافية معها، فقد أشاد بها يوسف شاهين في أكثر من مناسبة، خلال عملها معه أو بعد ذلك، وعلى سبيل المثال، حين قدّمها إلى لطفي الخولي، قال “دي خوخة من العراق، لديها مخ كويس وقارئة جيدة، وكمان يسارية”.

وبعد أن عادت إلى العراق، وكُلّفت بإخراج فيلمين، تسجيلي وروائي، حملت السيناريوهات وتوجّهت إلى القاهرة وعرضتهما على شاهين، فقرأهما معها وأبدى عليهما ملاحظاته، وهذا دليل ثقته بها. وفي ندوة عقدت في فندق “المنصور” ببغداد، قال “أراهن عليها وستكون مخرجة لها شأن في المستقبل، وفيلمها يكشف قدراتها في إدارة مجموعة الممثلين ببراعة، وأنا سعيد بها”.

13