خيري الذهبي: العالم بلد واحد

الرحلة في سجون إسرائيل مفتاح مكّن الذهبي من التعرّف على مؤثرات الحرب داخل زنازين الأسر في إسرائيل، وعلاقة السجان الإسرائيلي بالأسرى العرب.
السبت 2019/03/16
روائي سوري يدوّن يومياته في سجون إسرائيل

يأتي فوز المفكر والروائي السوري خيري الذهبي بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات عن كتابه “من دمشق إلى حيفا: 300 يوم في الأسر الإسرائيلي”، ليكون تتويجا لسنوات طويلة من الإبداع الفكري والأدبي الذي أنجزه الذهبي طوال أكثر من أربعين عاما، بأعماله الروائية والسينمائية والتلفزيونية وما قدّمه لأدب الطفل.

أعمال الذهبي تجاوزت الأربعين عملا، كان وما يزال يناقش فيها الكثير من أوضاع المجتمع السوري والعربي عموما، واضعا يده في الكثير من الأعمال التي قدّمها على وجع الاستبداد الذي عانت منه سوريا ومثيلاتها من الدول العربية، ومفنّدا تلك الأزمات التي خلفها على المجتمع السوري، ليضع الذهبي المستبد في صورة محارب للثقافة والكتب التي ستكشف تاريخه الأسود وحاضره الذي يرسم نهايته المستقبلية.

 

أبعد من حكواتي

كانت دمشق محور اهتمام خيري الذهبي، وكيف لا وهو ابن تلك المدينة العريقة، التي ولد فيها سنة 1946 وترعرع في أشهر أحيائها “القنوات”، فكان الروائي الدمشقي بحق الذي لم تغادره دمشق، رغم سفره عنها شابا للالتحاق بدراسة اللغة العربية في جامعة القاهرة العريقة في ذلك الوقت متتلمذا على يد خيرة أساتذتها، مثل يحيى حقي وطه حسين ونجيب محفوظ، ليعود بعد ذلك إلى مدينته، مبتدأ مسيرته الأدبية والفكرية، ومساهما في الحركة الثقافية السورية لاسيما في المجال الصحافي، حيث كان له الدور الأبرز في تحرير وإصدار عدد من الدوريات الثقافية ليبدأ أعماله الأدبية بـ”ملكوت البسطاء” عام 1975.

مسيرته المستمرة حتى يومنا هذا، يمكن القول إنها مرّت بمنعطفات عدة، لعل أبرزها انفجار الحراك الشعبي في سوريا، والذي التزم الذهبي بالوقوف إلى جانبه موظفا قلمه وأعماله الأدبية الصادرة بعد 2011، في خدمة المبادئ التي آمن بها، عبر مقالاته وأعماله الأدبية الأخيرة.

سارد التفاصيل والعظات التاريخية

قارئ رواية “الإصبع السادسة” للذهبي، يرى الصراع وهو يدور في دمشق ما بين قوى الجمود المتمثلة بشيخ الأموي وبين قوى الحداثة
قارئ رواية “الإصبع السادسة” للذهبي، يرى الصراع وهو يدور في دمشق ما بين قوى الجمود المتمثلة بشيخ الأموي وبين قوى الحداثة

إرث الذهبي العظيم الذي استغنى به عن العالم، كان ملاذه الأدبي والثقافي، وبقعته الجغرافية التي أسس عليها شاهقات أعماله الأدبية، معتمدا على حكايات المدينة القديمة ومآلات أوضاعها في العصر الحديث، راسما ما كانت عليه وما وصلت إليه نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طرأت عليها. حيث أصبحت دمشق دون غيرها من المدن البطلة الأولى في أعماله، فهو إذ يتذكّر بيت طفولته في حي القنوات، لا تفوته تلك المشاهد العريقة من ذاك البيت الشامي العتيق، الذي تركه الورثة راحلين إلى بيوتهم الحديثة لينشأ فيه مخزنا كل ذكريات الطفولة، يرسم أحلامه الوردية في مسرح ذلك البيت، الذي تصدره إيوان كبير يعلوه سقف خشبي عششت فيه اليمامات، فضلا عن حديقة كبيرة بلغت أعمار أشجارها عتيّا، مع بحرة توسطت أرض الدار العربية التي تستقي من نهر القنوات الذي شهد أجمل لحظات اللعب والتسلية في أول العمر.

يروي الذهبي لـ“العرب” عن تلك الحياة وكأنها فردوس غائب اليوم، يقول “في بيت اليمامات ذاك كانت توجد مكتبة كبيرة هي مكتبة الوالد، ولمّا أتقنت القراءة دلّني صديق في المدرسة على دكنجي، عجوز مسكين محاط بالمحلات المضاءة بالكهرباء والبلور المغري للزبائن، اضطر إلى العمل في تأجير الكتب، فكان رهن الكتاب ربع ليرة، وأجرته خمسة قروش، وصرت كلما خرجت من المدرسة استبدل الكتاب الذي أسترهنه منه بآخر أحدث وأطرف”.

لعل ما يميّز الذهبي، تكوينته الثقافية التي جعلت منه المفكر والمؤرخ والأديب للمدينة التي حفظ ما فيها عن ظهر قلب، مغرقا أعماله الأدبية بتفاصيل ضاربة في القدم، وبذكريات تكاد لا تنضب، ومعلومات موسوعية ليس عن مدينته فحسب، إنما عن المنطقة العربية كلها.

يمتلئ وجدان وقلم الذهبي بالكثير من التفاصيل عن مخاضات المنطقة السياسية والدينية وقومياتها والصراعات التي قامت في ما بينها، بحكايات تمتلئ بأدق التفاصيل التي أعطت أعماله زخما معرفيا وتوثيقيا مهما، يرى فيه الذهبي نقط ارتكاز ودروس وعظ على القارئ الاستفادة منها لاسيما في بلده سوريا، وما عمله “الإصبع السادسة” إلا تأكيد على ذلك.

يقول الذهبي لـ“العرب” إن “هناك حدثا عظيما جدا مر على السوريين ولم يأخذ حظه من الدرس والاتعاظ والتراكم المعرفي، ألا وهو قدوم إبراهيم باشا إلى سوريا فاتحا وطاردا للحكم العثماني الذي مرت عليه القرون، حتى اعتقد الناس أنه القدر وأن عليهم استقبال كل ما ينتج عن الوجود العثماني على أنه كذلك، وأن عليهم القبول بكل ما ينتج عنه بقلوب راضية، فهم لم يعرفوا بانفجار الثورة الفرنسية ولم يعرفوا بالمتغيّرات التي نتجت عنها، وبالتالي لم يعرفوا عن هزيمتها أمام الامبرياليتين الروسية والبريطانية، ولم يعرفوا عن هروب الضباط البونابرتيين من الجوع والمحاكمات الظالمة والمطاردات. ولكن محمد علي، عرف بكل هذا وقرّر المتابعة فأرسل ابنه إلى الشام لينشر فيها مع الجيوش المصرية ثمار التفكير الثوري الذي حاولوا وأده في فرنسا، فكان ممن طوردوا وهربوا الكولونيل والذي سيعرفه التاريخ باسمه المصري سليمان باشا الفرنساوي”.

يحكي الذهبي كيف نقض إبراهيم باشا وسليمان باشا كل القديم الذي تراكمت عليه السنون والروائح العفنة التي راكمتها القرون، وكان على بلاد الشام أن تستسلم أمام الثورة الفرنسية. إلا أن الأفكار الثورية لم تجد الاستقبال الذي كانت تتمناه حيث اندلعت الثورات الشامية التي هيجها العثمانيون والبريطانيون ولكن إبراهيم وسليمان استطاعا إحلال الفكر التقدمي في الشام عبر إزاحة فكرة “الشام شريف”، وهو اللقب الذي وصفت به إسطنبول مدينة دمشق باعتبارها أول مدن الحج الشامي، وبالتالي منعت دخول القناصل الأوروبيين إلى المدينة المقدسة دمشق، ومنعت عنها الأفكار الكبرى التي كانت تجول في العالم وتغيره.

  سيرى القارئ في رواية “الإصبع السادسة”، الصراع بين قوى الجمود، المتمثلة بشيخ الأموي الذي أمر الشعب، بقتل كل الحالات غير الطبيعية في الولادات الجديدة للوقاية من الشيطان والخراب، حتى أن الناس أخذوا يقطعون الأيدي الحاملة لتلك التشوهات عن الخلقة السليمة، من خلال بتر الأصابع السادسة، وما بين قوى الحداثة في ذلك الزمن.

من تلك النقطة يبدأ النزاع الذي سيغمر الرواية بين طالبي الثورة للدخول في العصر الحديث، وبين طالبي الثبات المريح مع ما عهدوه من الماضي، فالرواية كما يذكر الذهبي كانت تحديا كبيرا لقوى الثبات، مشيرا إلى أنه لم يستطع نشرها في سوريا لدى كتابتها حيث أرسلها إلى بلد تعلمه مصر لتنشر في طبعة أولى قبل أن تعاد طباعتها العام الماضي في بيروت.

كتاب علي بن أبي طالب السري

الذهبي أنشأ جل أعماله الأدبية على أسس درامية
الذهبي أنشأ جل أعماله الأدبية على أسس درامية

ما جعل تحويلها إلى الدراما التلفزيونية سهلا، فضلا عن عدد كبير من السيناريوهات التي قدّمها للشاشة الصغيرة، ليساهم في أكثر من عشرة أعمال تلفزيونية، كان أبرزها “أبو خليل القباني”، “حسيبة”، “مخالب الياسمين”، “رقصة الحبارى”، “الوحوش والمصباح”، “الشطار”، “لك ياشام”، وغيرها.

وبفضل تلك الأعمال عرف الذهبي بين أهم كتّاب الدراما التلفزيونية السورية، وكواحد من أوائل من حُوّلت أعمالهم الروائية إلى مسلسلات تلفزيونية، ما زاد من شعبية تلك الأعمال الروائية، وانتشارها جماهيريا في سوريا، وجعله يخرج من عباءة المثقف الذي تحيطه هالة وهمية، ليرتبط بشريحة جماهيرية أكبر، على غرار ما حدث مع الراحلين إحسان عبدالقدوس وأسامة أنور عكاشة المعروفين لدى جميع المصريين.

يعتقد الذهبي أن العالم يمكن أن يتغير بالكتابة، حيث يجد أن الكلمة طالما كانت سلاحا بيد كاتبها تقاوم كل أشكال الاستبداد وتردعه وتخيفه في أحيان كثيرة، فيتذكر في حديثه حادثة طريفة عن بدايته مع القراءة التي قادته إلى الكتابة، حين انطلق في قراءة الأعمال البوليسية أو تلك التي تتحدث عن اللص الظريف أرسين لولين، وقصص شرلوك هولمز وغيرها من الكتب التي قادت والده إلى إحراقها نتيجة شكوى والدته من أنه يريد أن يصبح سارقا، تلك الشكوى التي سمحت له بعد ذلك بأن يدخل في عالم كتب والده عاثرا على أمهات الكتب التي قرأها كالسير والكتب التاريخية، التي وجدها في مكتبة والده وغيّرت الكثير في حياته حيث بدأ حلم الكتابة بالتشكل في ذلك الوقت.

على هذه النقطة يستند الذهبي في فكرة واحدة من أحدث رواياته “المكتبة السرية والجنرال”، التي تحكي عن تلك المكتبة التي تحدت طاغية بكتابها السري “الجفر” الذي يرسم ملامح النهاية لعصر أعتى الطواغيت في العصر الحديث.

كتبت هذه الرواية منذ سنوات قليلة كما يقول الذهبي، وكانت بطلتها مكتبة والده، التي كبرت في خيال الكاتب، فصارت خزان المعارف العربية والإسلامية والعالمية. حيث رسم خياله ما استدعى من فكرة كان قد سمعها عن كتابٍ عنوانه “الجفر” ينسب إلى علي بن أبي طالب، ويحكي النبوءة العظيمة عن طاغية يحكم نحو أربعين عاما، تلك النبوءة التي ألهمت الذهبي لرسم صورة الطاغية الذي أعدّ العدّة لذلك الوقت، فسحب الجفر الحقيقي من الأسواق ليطرح محله “جفرا” مزيفا، ويبقى الكتاب الحقيقي بنسخة مختفية في المكتبة السرية، لدى بطل الرواية “اليازجي”، الذي تنتهي حكايته بقصف بيته بالطيران السوري خلال الحرب، ليموت الخيال والحلم والجفر، ولا تبقى إلا الحرب الطاحنة في سوريا.

في سجن "اللد"

الذهبي يعدّ واحداً من أهم الكتاب العرب الذين حوّلت أعمالهم الروائية إلى مسلسلات تلفزيونية، كما حدث مع أسامة أنور عكاشة( سلاف فواخرجي وطلحت حمدي في أحد أعمال الذهبي)
الذهبي يعدّ واحداً من أهم الكتاب العرب الذين حوّلت أعمالهم الروائية إلى مسلسلات تلفزيونية، كما حدث مع أسامة أنور عكاشة ( سلاف فواخرجي وطلحت حمدي في أحد أعمال الذهبي)

رغم أنه يعتبر أن الرواية التاريخية عكاز للكتّاب الكسولين، إلا أن تجربة الأسر كانت تستحق توثيقا كاملا لا يخلو من التاريخ وانعكاساته التي وثقها الذهبي في كتابه “من دمشق إلى حيفا 300 يوما في الأسر الإسرائيلي”، حيث كانت تلك الأشهر العشرة التي قضاها خيري الذهبي في سجون إسرائيل بُعيد اختطافه في فترة حرب أكتوبر 1973 مناسبة جيدة لتوثيق الفترة التي عايشها ما بين الأسر والحرب.

كانت تلك الرحلة في سجون إسرائيل مفتاحا لتعرّف الذهبي على مؤثرات الحرب داخل زنازين الأسر داخل إسرائيل، وعلاقة السجان الإسرائيلي بالأسرى العرب، والأحداث التي شهدتها سوريا قبل الحرب وأثنائها وبعدها، بمشهد بانورامي يصور بذكاء تلك التحولات التي طرأت على المجتمع السوري اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، فضلا عن علاقة الإنسان العربي بالحرب مع إسرائيل خلال السنوات التي تبعت النكبة والنكسة والذكريات الكثيرة التي عاشها شخصيا خلال كل هذه السنين وصولا إلى الأسر في سجن “اللد” والنقاشات الحادة مع الإسرائيليين أثناء الاعتقال.

يرى الذهبي أن أعظم ما في الانتفاضة السورية، أنها فضحت احتكار الدولة في سوريا للكتب والكتابة والأدباء، فلم يكن بإمكان الكاتب قبلها نشر أي شيء ما لم توافق عليه الدولة، فضلا عن مقص الرقيب والمنع الجائر للكتب المطبوعة خارج سوريا، وهي تجربة عايشها الذهبي نفسه في كتابين طبعهما في بيروت، ولم يسمح له بإدخالهما إلى بلده، وكان من الكتّاب الذين حاولت الدولة في سوريا التضييق عليهم لكنهم نجحوا في كسر الخناق عبر نوافذ فتحوها كلما حاول أحد أن يغلقها في أوجههم. ولعل أفضل ما حدث خلال الأعوام الماضية كما يعتقد الذهبي هو ولادة جيل جديد من الكتّاب الواعدين لم يكن لديهم حتى حلم في الكتابة داخل سوريا ما قبل 2011، وهنا يرى الذهبي أن الكاتب الحقّ لن يستطيع أحد إخراسه مهما كانت الوسيلة، فلا أحد بوسعه منع الحياة من الوصول إلى المستقبل.

ويختم الذهبي حديثه لـ“العرب” بالقول “لكن المهم أن يفهم الناس لماذا يحدث ما يحدث، وقد وصلتني، بالمناسبة، رسالة مؤخراً تتحدث عن اتفاقية أبرمت في مدينة إيفيان، تنص على ان تمنح الجزائر لبعض البلدان الأوروبية غازا في أنبوب مجاني حتى العام 2014 وكما نرى فالعطاء مقابل الاستقلال انتهى منذ خمس سنوات، والأزمة قائمة الآن بين بوتفليقة أو من يمثّل في دوائر الحكم على من يجرؤ من العسكر على فسخ العقد. هل عرفت الآن كيف يصل الحكام في بلادنا إلى مناصبهم ثم يلتصقون بالكرسي لا يجرؤون على الابتعاد عنه؟ وعلى العكس مما علمونا في المدارس بأن القارات والبلدان منفصلة عن بعضها، الواقع يؤكد أن العالم بلد واحد كما قال منذ أكثر من ألفي عام شاعرنا السوري ميلياغروس. مصالح الحكام في العالم الثالث مترابطة مع المتروبول وللفقراء الجنة فقط، ولا مكان آخر غيرها”.

12