خيري رمضان إعلامي مصري يقع في الفخ

الجمهور المصري ينظر إلى الإعلامي خيري رمضان بوصفه واحدا من فئة الإعلاميين الذين تلونوا ليحافظوا على حبل العلاقة مع الأنظمة المتتابعة.
الخميس 2018/04/19
التأقلم مع تحولات كل عصر وكل سلطة

الذين يركضون وراء السلطة محاولين نيل رضاها، لا يحصدون، كما يتخيلون، تلك المكاسب المنتظرة. بل يقعون في أخطاء ساذجة تعصف بأقلامهم وحناجرهم عند أبسط خطأ غير مقصود. فالاقتراب من السلطة مهما تعاظمت مهارات أصحابه من الممكن أن ينحرف بهم، دون أن يدركوا أنهم أخطأوا، ويتصورون أنهم يؤدون خدمات جليلة، لذلك يستوجب المشي مع السلطة كفاءات من نوع خاص.

الإعلامي المصري خيري رمضان يمثل نموذجا لعدد كبير من الإعلاميين المرتبطين بالحكومة، الذين ظلوا متشبثين بالأضواء والعمل لسنوات طويلة تحت سقفها. نجح في التأقلم مع تحولات كل عصر وكل سلطة. جاءت واقعة توقيفه قضائيا مؤخرا، بسبب حديثه عن جهاز الشرطة بشكل اعتبرته هذه الأخيرة غير لائق بها لتمثل صفعة لكل إعلاميي السلطة، وجرس إنذار بشأن المخاطر التي يقود إليها الاقتراب من بعض الملفات الحساسة.

 رمضان حريص على إرضاء الجمهور وإرضاء السلطة معا، ما يتطلب قدرا كبيرا من المكر الإنساني. قصدته “العرب”، للاستفسار منه عن بعض الجوانب، لكنه اعتذر بلطف. يشعرك وهو يتحدث معك وكأنه يعرفك منذ زمن. لكن يبقى نمطا يصعب تتبع وتقصي حقائقه. يتمتع بشخصية اجتماعية مجاملة بطبعها. وصاحب شبكة علاقات متشعبة وواسعة.

محك المصداقية الصعب

حاول رمضان أن يغرد خارج السرب فجرى التحقيق معه على ذمة قضية إهانة جهاز الشرطة، لأنه تحدث عن أجور أفراده الضعيفة. حاول استعطاف الجمهور ومحو صورة الغطرسة الملتصقة بعناصر هذا الجهاز، وهو ما شكل مفاجأة لصف الإعلاميين الذين يتصنعون الحياد.

[ الاقتراب من السلطة مهما تعاظمت مهارات أصحابه من الممكن أن ينحرف بهم، دون أن يدركوا أنهم أخطأوا، بينما هم يتصورون أنهم يؤدون خدمات جليلة.
الاقتراب من السلطة مهما تعاظمت مهارات أصحابه من الممكن أن ينحرف بهم، دون أن يدركوا أنهم أخطأوا، بينما هم يتصورون أنهم يؤدون خدمات جليلة.

كان من بين أوائل من طرقوا باب التلفزيون وسط موجة هجرة الصحافيين من الإصدارات المطبوعة إلى الشاشات المرئية. وجاء الظهور الأول له مرافقا للإعلامي عمرو أديب. شاركه تقديم إحدى فقرات برنامجه السابق “القاهرة اليوم” على قناة “أوربت”، ثم جاءت انطلاقته عام 2008 عبر برنامج “البيت بيتك” في التلفزيون المصري، في فترة شهدت مظاهرات واعتصامات واحجاجات عديدة.

عندما تم عرض “البيت بيتك” على التلفزيون المصري، أصبح البرنامج ملء السمع والبصر في وقت لم يكن “التوك شو” قد ذاع صيته. أعلن عن توقف البرنامج عام 2010، وحل مكانه برنامج “مصر النهاردة” الذي استمر فيه رمضان حتى أعلن استقالته بعد شهرين من اندلاع ثورة يناير 2011.

ومع الوقت بات ينظر إلى رمضان بوصفه واحدا من فئة الإعلاميين الذين استفادوا من العلاقة الوطيدة بالسلطة، وتلونوا بغية الوصول إلى مآرب شخصية والحفاظ على مصالح حققوها فعليا، لذلك حافظوا على حبل العلاقة مع الأنظمة المتتابعة. غازلوا كل الأطراف. تنقلوا بين تأييد الرئيس الأسبق حسني مبارك والانقلاب عليه. ثم تملق شباب ثورة يناير ورموزها حين بلغت أوج مجدها، إلى أن انقلب عليهم وغيره كثيرون، ووقفوا في خندق الجيش ودعم الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد ثورة 30 يونيو 2013.

بدت السنوات التي تلت ثورة 25 يناير أشبه بالعدسة المكبرة التي كشفت تناقض وزيف بعض الإعلاميين وتحول مواقفهم. كان رمضان واحدا منهم. هاجم الدعوات التي طالبت بالتظاهر وتعدّى لفظيا على الراحل خالد سعيد الذي اعتبره الشباب في مصر “أيقونة الثورة” بعدما قتل بفعل تعذيب تعرض له على يد أحد عناصر الشرطة، حتى بلغ الأمر برمضان إلى وصفه بأنه مسجّل خطِرا ومدمن مخدرات. وهي الرواية التي رددتها الشرطة. ولكن بعد أن نجحت الثورة في إسقاط نظام مبارك، وصفه رمضان، وغيره من الإعلاميين، بالبطل والشجاع والتميمة وصاحب قضية وطنية، وأصبح كلامه منصبا على حق التظاهر السلمي والنيل من النظام الفاسد الذي كان يعتبره رمزا للنقاء. وتغزل بالثوار والثورة ووصفها بـ”الحياة الجديدة”، وأنها قامت بيد الشعب.

واحد من أوركسترا

يظل خيري رمضان، يمثل تيارا تحولت مواقف أصحابه من النقيض إلى النقيض، وتبدلت ولاءاتهم وفقا لتبدل الأنظمة السياسية. منهم لميس الحديدي وعمرو أديب ومحمود سعد ووائل الإبراشي وخالد صلاح ومجدي الجلاد ومنى الشاذلي. رفضوا تظاهرات يناير، ثم أشادوا بها بعد أن تأكدوا من نجاحها ورحيل نظام مبارك.

[ رمضان يحاول الظهور كحيادي فينقل رسالة على الشاشة من زوجة أحد الضباط تشكو المعاناة المادية لرجال الشرطة.
رمضان يحاول الظهور كحيادي فينقل رسالة على الشاشة من زوجة أحد الضباط تشكو المعاناة المادية لرجال الشرطة.

ظلت تطارد رمضان صورة شهيرة له، ظهر فيها وهو ينحني ويقبل يد الشيخ الإخواني يوسف القرضاوي، المعروف بتحريضه على الدولة. لم ينكرها رمضان، لكنه دافع عن نفسه وقال “نعم قبلت يده، وكنت من قرائه، وساهمت في إدخاله مصر بعد أن كان ممنوعا لفترة، لكن موقفي تغيّر منه بعد ذلك”.

ويسوق البعض هذه اللقطة للدلالة على تلونه وأحيانا اتهامه بأنه كان على علاقة وطيدة مع جماعة الإخوان. لكن مقربين منه نفوا عنه ذلك، وبرروا موقفه بأنه يجيد فن العلاقات العامة، الذي يوقعه أحيانا في أخطاء يدفع عنها ثمنا باهظا.

الصحافة تعتبر مشواره الأول، والمهنة التي عشقها، بينما ينظر إلى التلفزيون أنه مجرد عمل يتكسب منه، ومتعته الحقيقية تظل مع الورقة والقلم. تدرج في سلم صاحبة الجلالة التي بدأها منذ أن كان يدرس في كلية الآداب، قسم الصحافة فرع سوهاج بجامعة أسيوط في جنوب مصر. شقيقته الكبرى بركسام رمضان، تعمل صحافية بمؤسسة أخبار اليوم، وشقيقه الأصغر وليد رمضان، يعمل في جريدة الأهرام.

عمل رمضان محررا للحوادث في جريدة الأهرام منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. وسافر عام 1990 للعمل في مجلة “زهرة الخليج” لنحو ثمانية أعوام، وعاد إلى جريدة الأهرام مرة أخرى وعمل في قسم التحقيقات الصحافية. وعندما جرى تأسيس مجلة “الأهرام العربي” بعد فترة قصيرة من عودته إلى مصر تولى منصب مدير تحريرها.

أسس عام 2005 جريدة “اضحك للدنيا” التي كتب فيها بلال فضل وعمرو خفاجه وجمال فهمي، لكن لم تستمر طويلا وتمت مصادرتها من قبل السلطة، لسخريتها من بعض رموز رجال مبارك، واستقر في الأهرام مع تولي أسامة سرايا رئاسة تحريرها.

مثّل العمل في محطة “سي.بي.سي” بعد ثورة يناير، حالة من الاستقرار والتواجد لرمضان عبر سنوات، دعمته في ذلك شراكته في المحطة مع آخرين، عبر برنامج “ممكن”، الذي طرح فيه مجموعة من القضايا التي تخدم مصلحة السلطة، حتى لو تدثر فيها بقدر من المهنية. ثم انتقل إلى برنامج “آخر النهار”. وكانت تلك بداية تراجعه. غادر قناة “النهار” بعد خلافات مادية وإدارية مع إدارة المحطة.

فترة اهتزاز المعايير

توارى رمضان لبعض الوقت، وعاد ليطلّ عبر شاشة التلفزيون المصري في إطار خطة تطويره من خلال برنامج “مصر النهاردة ” وتشاركه التقديم فيه الإعلامية رشا نبيل، وهو دليل على مدى ثقة الحكومة فيه.

يقدم رمضان نفسه دائما على أنه إعلامي يتمتع بقدر من المهنية والحياد، وكان آخر هذه الحالات عبر التلفزيون المصري، حين نقل رسالة على لسان سيدة قال إنها زوجة أحد الضباط تشكو المعاناة المادية لرجال الشرطة وعدم قدرتهم على مواجهة أعباء الحياة وتسديد المصروفات الدراسية لأبنائهم وضعف مرتباتهم.

في الوقت الذي كان يعتقد أنه يقدم خدمة جليلة للشرطة، انتفضت وزراة الداخلية وقدمت بلاغا ضده، بتهمة الإساءة إلى رجالها، ولم تمرّ الواقعة مرور الكرام بل تم التحقيق معه وكان رهن الاحتجاز لمدة ثلاثة أيام، وخرج مقابل سداد غرامة مالية، ولا يزال على ذمة قضية تنظر فيها المحاكم، إذا لم تتنازل الداخلية عن بلاغها وتتصالح معه، لأن رسالتها السياسية وصلت إلى خيري وغيره.

[ صورة شهيرة تطارد رمضان، يظهر فيها وهو ينحني ويقبل يد الشيخ الإخواني يوسف القرضاوي، المعروف بتحريضه على الدولة.
صورة شهيرة تطارد رمضان، يظهر فيها وهو ينحني ويقبل يد الشيخ الإخواني يوسف القرضاوي، المعروف بتحريضه على الدولة. 

المفارقة أن الشرطة التي انتفضت من خطأ رمضان لم تمارس الفعل نفسه مع زميله أحمد موسى حين ارتكب خطأ على الهواء على فضائية “صدى البلد” عبر إذاعة تسجيل غير معلوم حول حادث الواحات الذي راح ضحيته عدد من الضباط في أكتوبر الماضي، وأثار موجة غضب عارمة، إلا أن موسى لم يطله عقاب أو غضب طويل، واكتفت الشرطة باعتذاره.

جاء التحقيق مع رمضان بعد وقت قصير من بث تصريح للرئيس السيسي، حذر فيه من الإساءة إلى الداخلية والجيش، واعتبر ذلك بمثابة “خيانة عظمى”، ما يشي أن احتجازه كان رسالة للجميع، وأنه
لا أحد معصوما من العقاب حتى مؤيدي السلطة.

المتابع لمسيرة رمضان المهنية لا يمكن أن يشكك في نواياه حيال مؤسسات الدولة والشرطة بشكل خاص، فقد عمل في قسم الحوادث بالأهرام واقترب لفترة من ضباط الشرطة، ويحمل قدرا من المؤازرة لهم، ولم يستهدف النيل منهم، لكنه أراد المجاملة والتدليل على تعاطفه معهم وحرصه عليهم، ما أدّى إلى السقوط في الفخ، ولم يشفع له تأييده للنظام الحاكم.

كان القرار بحبسه ليس فقط بغرض تهذيبه وعدم تكرار ما فعله، بل كان بمثابة رسالة لكل الإعلاميين، بمن فيهم المقربون من السلطة، تقول إنه لا مهرب إذا تجاوزت السقف المحدد وخالفت “الكاتلوج” المتبع، لأنك من الممكن أن تقع تحت المقصلة.

ثلت تلك الواقعة صفعة قوية للوسط الإعلامي، ودفعت رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مكرم محمد أحمد إلى أن يستهجن هذا الفعل ويعتبره “تربصا بالصحافيين”، قبل أن يعدل موقفه كالعادة وينحاز إلى صف الشرطة.

ولاءات متعددة

ومع أن الإعلامي ينبغي أن يتمتع بصدقية وقدرة على توجيه الجمهور في الاتجاه الصحيح والمساهمة في التثقيف والتوعية، إلا أن العمل في مصر يتطلب مواصفات أخرى، فقد أصبح المذيع متعدد الولاءات، ما جعل عديمي الكفاءة يتصدرون المشهد. الأمر الذي أ
وقع مصر في أزمات دبلوماسية مع دول صديقة.

أعلن رمضان في أحد اللقاءات التلفزيونية أنه ينوي اعتزال العمل التلفزيوني وإفساح الساحة لوجوه جديدة والتفرغ للكتابة الصحافية بعدما يطمئن على مستقبل مصر في غضون أواخر العام الحالي أو بداية السنة المقبلة.

في هذا الوقت لا تزال الحكومة مستمرة في السيطرة على الفضائيات بالتوازي مع رغبة ظاهرة في تطوير الإعلام الرسمي، لكنها تبقى محاولات فاشلة، لأنها تفتقد للرؤية الصحيحة والخطة المنهجية. لذلك فإن رمضان وأمثاله لن يتمكنوا من تكرار لعبتهم التقليدية، التي تقوم على تأييد السلطة، مع هامش ضئيل للانتقادات، فحتى هذه لم تعد مقبولة.

12