خير من أن تراه

الخميس 2014/04/24

بين الكاتب وكتابه قِصّة طويلة ظلّت ساكنة فضاءاتِ الهامش وما لا يستأهل الكتابة فيه. بل هي قصّة لم يلتفت إليها النقّاد قديما وحديثا، ولم يعزّزوا جهودَهم البحثيةَ في تأصيلها ثيمةً جديرةً بالكتابة والتفكّر.

وإنّ ما يظهر من نظر النقاد الحداثيين إلى علاقة الكاتب بكتابه، يشي بكونهم اكتفوا منها، في ما يمكن تسميته بالفهلوة الفكرية، بإقصاء تاريخ الكاتب، بعد أن صار عندهم لا يزيد عن كونه جثّة معدومة التأثير في الواقع، مقابل إعلاء تاريخ النصّ وتثمينه على غرار قول رولان بارت بأن ما يتكلّم في النص هي اللغة وليس الكاتب، أو في قول جاك دريدا بأنه لا وجود لشيء خارج حدود النص.

ومهما حاول البعض التأكيدَ أن مناهجَ نقديةً على غرار المنهج التاريخي أو النفسي أو الاجتماعي قد حرصت في بناء تصوّراتها المفاهيمية للفعل النقدي على أساس العلاقة القائمة بين المؤلِّفِ وكتابه، فإن ما يروج منها يظلّ منصبًّا على المتن الكتابي دونما تنبّهٌ من النقّاد كبيرٌ إلى ظروف الكاتب النفسية والاجتماعية والثقافية وما يكون لها من تأثير بليغ في دَلالة المتن وشكل صياغته، أو حتى في صناعة حدثِ تلقّيه من قبل القرّاء. وإن فعلوا ذلك، فعلوه من باب الإحالة والتمثيل دون سواهما.

والحق أنه مهما يظهر من غلوّ في القول بموت المؤلِّفِ، فإنّ في واقع الكتابة ما يمنحه كثيرا من الصدقية. حيث يجد المَثَلُ العربيّ “تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه” فضاءً يجري فيه بجميع معانيه. ذلك أن قراءتنا لكثرة كثيرة من الكتب الجميلة تحفزنا لرَسْم صورة بهيّة لأصحابها بفضل ما فيها من إيحاءاتٍ شعريّةٍ تمنحنا انطباعًا بأن كتّابَها كائناتٌ شفيفةٌ وذات طُهرانيةٍ وفيرةِ الأخلاق، ولها قدسية إلهية تجعلنا نتمنى الجلوسَ إليهم، بل والتقاط صور تاريخية معهم نضعها على جدران الفيسبوك.

إلاّ أن الواقع دائما ما ينزع إلى تكذيب تلك الانطباعات، ويصيب أغلبَنا بصدمة “كتابية”، إذا لم نتهيّأ لها بالصبر والتعقلِ والكتمان دفعتنا إلى الشك في أهلية هؤلاء المؤلِّفين بكتاباتهم. وصورة ذلك أن الواحد منّا، وتحت تأثير كتاب كان قد قرأه، يظلّ يتمنى لقاءَ صاحبه، فإذا أوجد ربُّه أسبابَ ذاك اللقاء، وجلس إلى الكاتب، سرعان ما يقفُ على تهافُتِ سلوكه وكثرة رداءته القولية وقلّة حيائه الاجتماعيّ وتنامي نفاقه وجلاء تناقض مواقفه إضافة إلى ميوله الانتهازية التي لا يستطيع إخفاءها مهما تصنّع التأدُّبَ والكياسةَ.

ولعلّ في هذا ما يصيب البعض من القرّاء بالحَيْرة المُرّةِ الممزوجةِ بكراهية صاحب الكتاب، بل ويَحفزُهم لكُره كتابه والتشكيك في ما يوحي به من معان إنسانية راقية، وما فيه من خطابات أدبية برّاقة.

كاتب تونسي من أسرة "العرب"

15