خيط الذهب بين التاريخ والديمقراطية والأدب

في هذه الفترة التي تتطلع فيها الشعوب العربية إلى الديمقراطية، وإلى الحرية والكرامة، برزت أعمال روائية تدين القمع.
الأحد 2019/04/28
التاريخ طويل

انتظمت قبل أيام في كلية الآداب والعالم الاجتماعية بتونس العاصمة، ندوة بعنوان “الأدب والديمقراطية، أو كيف نكتب التاريخ بشكل آخر”. وقد اختار المنظمون أن تكون الفقرة التالية لهوارد زين منطلقا للمداخلات: “أحاول أن أكتب من جديد التاريخ لكي أعكس وجهة نظر الناس الذين تمّ إقصاؤهم، إذ أن التاريخ الذي واكبناه إلى حد هذه الساعة كُتب دائما من فوق، أي التاريخ من وجهة نظر رجال السياسة، والجنرالات، والعسكريين، وأهل الصناعة”.

وإذن كان الهدف من الندوة هو البحث عن مصادر أخرى غير تلك المعروفة والمتداولة لقراءة التاريخ خصوصا في هذه الفترة العصيبة التي تعيشها البلدان العربية، والعالم برمته في ظل تحولات ومتغيرات مختلفة ومتعددة لا تزال غامضة ومبهمة إلى حد هذه الساعة، وموسومة بأسئلة لا تزال معلقة. وقراءة هذه الفترة التاريخية لا يمكن أن تكون مفيدة إذا ما اقتصرنا على المصادر الرسمية التي غالبا ما تكون مفروضة من فوق، بل علينا أن نغوص عميقا لنكشف ما هو مخفي، ومحرم، ومدفون، ومغيب، ومقصي…

وقد اهتم بالتاريخ كتاب كبار مثل الروسي ليون تولستوي الذي كان يضيق ذرعا بالمؤرخين الذين يتوقفون عند العوامل السياسية أو الاقتصادية أو الدينية لتفسير الأحداث التاريخية. وخلافا لمثقفي عصره، لم يبد تولستوي أي إعجاب بأفكار هيغل حول التاريخ، بل كان يعتبرها “رطانة يعسر فهمها وتوضيحها”. والأكثر سوءا بالنسبة له هم أولئك الذين يتربعون على أعلى هرم في السلطة السياسية أو العسكرية وهم على يقين بأنهم قادرون على التحكم في مصير الشعوب. ومعنى ذلك أن التاريخ كان بالنسبة له مجمل الأحداث الملموسة في الزمان والمكان، وحصيلة التجربة الحقيقية لرجال ونساء حقيقيين.

وكان يرى أن المبادئ الفلسفية لا يمكن فهمها إلا عبر التعبير الملموس للتاريخ. لذلك كتب يقول في يومياته بتاريخ 22 سبتمبر 1852 “كتابة التاريخ الأصيل لأوروبا المعاصرة، هذا يمكن أن يكون هدفا لحياة بأكملها”. إلاّ أن هذا التاريخ هو ذاك الذي يجيب على الأسئلة التالية: ماذا علينا أن نفعل؟ لماذا نحن هنا على الأرض؟ كيف يمكننا أن نعيش؟ وماذا يمكن أن نكون؟

كما أن هذا التاريخ  ليس معركة “بورودينو” في رواية “الحرب والسلم”، ولا طموحات نابليون الإمبراطورية، وإنما هو الأمير أندريه الذي يعي حياته، ومصيرها حالما يسقط على الأرض مضرجا بدمائه، مدركا أن الحقيقة لا يمتلكها أولئك الذين كان يعتقد بأنهم يتحكمون في مصير روسيا. وهو أيضا المثقف بيار بيزوكوف الذي يسعى إلى فهم مأساة تاريخ عصره فلا يجد الحقيقة إلاّ في السير الشاق للأسرى الفرنسيين وهم يعودون مثخنين بجراح إلى بلادهم. والتاريخ يمكن أن يتجسد أيضا في فرد يلعب دورا مهمّا في أحداث معينة لكن من دون أن يفهم مغزاها وأهدافها.

والتاريخ بالنسبة لجيمس جويس عبارة عن “كابوس مرعب يصعب عليه الاستفاقة منه”. وعند كتاب آخرين يندرج التاريخ ضمن ما هو ذاتي، وأليف، ومثير للمشاعر، وفاضح لعمليات التزوير التي يلجأ إليها أصحاب السلطة والنفوذ لإخفاء جرائمهم ودسائسهم. وفي روايته “الطريق إلى الفلاندر”، لا يروي كلود سيمون بطولات الجيش الفرنسي في الحرب الكونية الثانية، بل التاريخ “الملطخ بالدم، والمسكون بالوجع″.

وفي مجمل رواياته، يكشف الإسباني خافير سيركاس ما كان نظام فرانكو الذي انتصر في الحرب الأهلية في الثلاثينات من القرن الماضي يسعى إلى طمسه، ومحوه من ذاكرة الشعب الإسباني. وفي أعماله، اهتم الكاتب الجزائري رشيد بوجدرة بأوضاع بلاده في فترة الاستعمار الفرنسي، ثم في فترة ما بعد الاستقلال، مدينا الجرائم الاستعمارية، وأيضا دكتاتورية الحزب الواحد، والمجازر التي ارتكبتها الجماعات المتطرفة في التسعينات من القرن الماضي. وقد فعل ذلك لا من خلال شخصيات سياسية أو عسكرية معروفة، ورسمية، بل من خلال أناس بسطاء، يعذبهم الفقر والحرمان، ونساء خاضعات للسيطرة المطلقة للرجل، لكنهن لا يترددن في خوض المعركة من أجل التحرر من القيود، وأطفال تغسل أدمغتهم في المدارس وفي الشوارع ليتحولوا إلى قنابل يمكن أن تنفجر في أي لحظة لقتل الأبرياء، وربما الأحباب والأقارب. ويرى رشيد بوجدرة أن مهمته ككاتب تتطلب منه أن يولي اهتمامه للمجتمع الجزائري، وأن يعنى بمصير المواطن الجزائري البسيط، والمقصي لتجاوز القراءة الرسمية الخاطئة للتاريخ. وهذا التاريخ غالبا ما يتضمن أطروحات وأيديولوجيات سلبية وقمعية، ولا يحتفظ إلاّ بما يرضي المنتصرين، والمزورين له.

وفي هذه الفترة التي تتطلع فيها الشعوب العربية إلى الديمقراطية، وإلى الحرية والكرامة، برزت أعمال روائية تدين القمع الذي كانت تسلطه أنظمة أسقطتها انتفاضات ما يسمي بـ”الربيع العربي” على الأفراد والجماعات.

كما صدرت شهادات كتبها أصحابها عن تجاربهم المريرة في السجون، أو في المنافي. وجميع هذه الروايات، وهذه الشهادات الحية تهدف إلى التأكيد أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتأسس على التزوير والكذب، بل على الكشف عن الحقيقة حتى ولو كانت مرة، وموجعة، وعلى إضاءة ما كان مطموسا ومغيبا في الذاكرة الفردية أو الجماعية.

وما يمكن أن نعيبه على منظمي هذه الندوة الهامة هو أنهم اقتصروا على الاستناد إلى أعمال كتاب أجانب وفرانكفونيين من المغرب العربي، مهملين إهمالا تاما أعمال كتب تونسيين وعرب اهتموا هم أيضا بالتاريخ في بلدانهم.

فروايات نجيب محفوظ مثلا مرآة عاكسة لفترات مختلفة من تاريخ مصر المعاصر انطلاقا من ثورة 1919، وحتى فترة السادات ومبارك مرورا بفترة عبدالناصر. ومصطفى سعيد في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” هو مثال للمثقف الأفريقي الأسود في فترة الهيمنة الاستعمارية الذي يعيش الحيرة والتذبذب حتى النهاية المؤلمة.

وفي رائعته “الدقلة في عراجينها” التي أشاد بها الطيب صالح، يرسم التونسي صورة مثيرة لأهالي منطقة الجريد التونسي في فترة الهيمنة الاستعمارية من خلال نساء ورجال وفتيان يعانون الفقر والتهميش والإهمال في صحراء قاسية تعاني دائما من الجدب والجفاف.

وفي روايته الأخرى “برق الليل”، يروي البشير خريف حياة أهالي العاصمة خلال الغزو الإسباني للبلاد في القرن السادس عشر من خلال عبد أسود يعمل خادما في قصور الأعيان. أما في “حبك درباني” فيقدم لنا صورة حية وبديعة عن العلاقات العاطفية والاجتماعية  في تونس في الثلاثينات من القرن الماضي…

إن إهمال أعمال عربية وتونسية في ندوة مثل الندوة المذكورة يجعلها منحصرة في حلقات ضيقة بحيث تكون جدواها شبه منعدمة إن لم تكن منعدمة أصلا. فهل يعقل مثلا أن يتحدث الفرنسيون عن تاريخهم من دون أن يستندوا إلى أعمال كتابهم؟ وعلى أي حال ليس هذا أمرا جديدا بالنسبة للجامعة التونسية التي عودتنا بأن تكون فوق الواقع، ومتعالية عليه لتظل من دون أي تأثير فكري على النخب، وعلى الأجيال الشابة.

10