خيط دخان

السبت 2016/04/23

المرة الأولى التي سمعت فيها كلمة “يشجب” كانت في الأيام القليلة السابقة لاندلاع حرب الخليج الثانية، حين انفجر العالم بأجمعه على رؤوسنا المسكينة في العراق. وقبل أن تفتح أبواب الجحيم، تبنى اتحاد الطلبة في إحدى كليات جامعة بغداد تظاهرة احتجاجية ضد التهديدات التي كانت تصبّها أميركا ودول العالم على خوفنا مثل حمم البركان، ونيتها غير المبيتة لتدمير البنى التحتية بسبب تصرف غير مسؤول ارتكبه “القائد الضرورة”، في لحظة تجلّ تاريخية.

كان التحضير يجري على قدم وساق للتظاهرة الطلابية “الشاجبة”، فتمّ تحديد المكان والزمان وساعة الصفر لانطلاق الجموع الغفيرة، وهكذا خضعنا للأمر الواقع خوفا وجُبنا وشجبا، أضيف إليه خوفنا من الحرب ولم نكن قد أفقنا بعدُ من صدمة الحرب ذات الثمانية أعوام.

انطلقت المسيرة الغاضبة، وعندما وصلت الأقدام إلى مفترق طرق، وبعد أن نجونا من الجموع، انتبذت خطواتنا الصغيرة خلسة ناحية في اتجاه آخر معاكس للمسيرة، فوجدنا أنفسنا على مرمى حجر ومحطة باص بالقرب من المكان الذي اخترناه لإيصال رسالة غضبنا للعالم؛ كانت مدينة الألعاب هي نهاية مسيرتنا والطريقة التي عبرنا فيها عن “شجبنا” للحرب، فتحوّلت مخاوفنا إلى ابتسامات ومرح وأوقات طيبة قضيناها نحن مجموعة من تلاميذ المرحلة الثالثة، نزاحم فيها أطفالا صغارا على ألعابهم ونشترك معهم في معارك طائرات غير قاصفة وندور مع لعبة الخيول وننطلق في لعبة الطبق الطائر بخفة، كان يحسدنا عليها مرتادو مدينة الألعاب الذين تملكهم الخوف مثل غيرهم في تلك الأيام بسبب خيط الدخان الذي انطلقت شرارته بعد أيام من هذه الرحلة السعيدة.

كنا نعي مثلهم تماما، بأن غضبنا لن يجدي نفعا وبأن الحرب واقعة لا محالة، فلا بأس من استنشاق جرعة خفيفة من المرح الأبيض ندّخره للأيام السود التي كانت تنتظرنا.

في الصباح الأول للحرب، وبعد أن قضينا سهرة ممتعة بالاستماع إلى عزف غير منفرد لأسلحة الحرب الذكية، كنت أتناول فنجانا عظيما من القهوة في كوب مخصص للشاي وأستمع إلى أغنية لعبدالحليم يقول فيها “وستعرف بعد رحيل العمر، بأنك كنت تطارد خيط دخان”، وبين رشفة قهوة وأخرى كان خيط الدخان يتعاظم في رأسي حتى تحوّل إلى بركان بعد أن هاجمني ألم غريب في معدتي، وكنت قد سكبت فيها ما يعادل لترا من القهوة الساخنة من دون أن أشعر بذلك. كانت تلك طريقة مبتكرة فعلا، أن أشغل نفسي بذاك الألم الطارئ عن خيبة ألم كبيرة كانت تختبئ خلف جدران المنزل.

كل صباح أبدأ فيه بفنجان قهوة كبير، تحملني فيه الذاكرة اللعينة إلى ذلك الصباح الحربي العذب، وأنا أتطلع إلى عناوين الأخبار العراقية وظنوني معلقة على الاحتمالات مثل طيور خائفة معلقة على حبل غسيل في يوم ماطر، تتجاذبني الاصطلاحات الغريبة التي يتداولها الناس منذ فترة؛ ديمقراطية، تكنوقراط، اعتصامات، تظاهرات، احتجاجات والكثير من الكلمات والأوهام التي لم تعد تحمل نكهة قواميس أهل السياسة.

لا شيء يعد بالوعود، حين يصبح القبض على سراب الأماني عملا من اختصاص الأحلام وحدها. الجميع ينتظر حدوث معجزة في زمن بخيل لا يفصح إلا عن خيط دخان، سيتحوّل عاجلا إلى بركان قدر له أن ينام على مضض في أحضان الغفلة، فعن أيّ جمر ساخن سيفصح هذا البركان يا ترى؟

مازلت أحتفظ بالكثير من البن لأصنع به صباحاتي الفاترة فأنشغل بألم معدتي، وأنا أحتسي أخبار الاعتصامات الجديدة وأنصت ببلادة إلى أحاديث الناس وصراخهم، فلا أسمع منه شيئا.

21