خيط رفيع يفصل بين تغطية حوادث الانتحار والتحريض على أذى النفس

الدخول في تفاصيل غير مبررة حول الانتحار يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات مماثلة لدى القراء.
الثلاثاء 2018/07/03
تفاصيل أقل مخاطر أقل

واشنطن - يشعر الصحافيون بمسؤولية أخلاقية عند تغطية حوادث الانتحار، وهو أمر ليس مؤلما فقط ، بل صعب أيضا مع وجود خطر العدوى، وهي زيادة في حالات الانتحار المرتبطة بالتقارير الإعلامية غير المسؤولة.

وبعد حوادث الوفيات الأخيرة من المصممة كايت سبيد إلى الشيف والمؤلف ومقدّم البرامج التلفزيونية أنطوني بوردان، واجه الصحافيون مهمة الإبلاغ عن الانتحار، وخطر الإضاءة على التفاصيل والمعلومات التي من شأنها أن تزيد من الندوب ومشاعر العار لأولئك الذين يعانون من الخسارة والذين هم أكثر عرضة لأذى النفس.

وتقول الصحافية كريستينا بيدي في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين، إن إثارة محادثة حول الانتحار والصحة العقلية يمكن أن تكون إيجابية، ولكن من الصعب أحيانا تحقيق توازن بين توفير معلومات دقيقة ومنع الضرر غير الضروري.

وأضافت أن الأمر الأساسي عند تغطية الانتحار يكمن في أن الأقل هو الأكثر فائدة، وهذا يعني تفاصيل أقل، عناوين أقل إثارة وتدخل أقل. إذ لا يستطيع الصحافيون دائما تحسين الأمور، ولكن يجب عليهم على الأقل عدم جعلها أسوأ، بالنظر إلى حقيقة أن الانتحار السبب الرئيسي العاشر للوفاة في الولايات المتحدة لجميع الأعمار.

وأوضح جون دانيسوفسكي، نائب رئيس وكالة أسوشيتد برس للمعايير، المنهج الذي تم التعامل به في الوكالة في تغطية الحوادث التي جرت مؤخرا، وقال إنهم قاموا بإزالة بعض التفاصيل غير الضرورية التي نشرت في البداية في القصص عن انتحار أنطوني بوردان وكايت سبيد، وحثوا الصحافيين على الاحتفاظ بالحد الأدنى من المعلومات حول طريقة الموت وعدم جعلها الأساس في القصة.

كما أوردت “سي إن إن” نعيا لبوردان، بطريقة رائعة يشيد بحياته وإرثه من دون الإفصاح عن الحقائق حول وفاته.

ومن جهتها تقول الكاتبة ناتاشا ديفون إنّ الناس “يرتكبون” جريمة، لكن الانتحار ليس جريمة، إنما قضية صحية عالمية.

أسوشيتد برس تحث صحافييها على الاحتفاظ بالحد الأدنى من المعلومات حول طريقة الموت وعدم جعلها أساس القصة

وتضيف ديفون وهي مؤسسة ميثاق إعلام الصحة العقلية، وهو مشروع مقره المملكة المتحدة تم إطلاقه لضمان أن المشهد الخاص بالإبلاغ عن الصحة العقلية مشهد مسؤول، “تظهر الأدلة أنه إذا اعتقد الناس أنه ستكون هناك تداعيات قانونية، فقد يمنعهم من البحث عن أفكار انتحارية”، وتضيف “من المهم تجنب تخليد هذه الخرافة”.

ونوهت “هناك أدلة تثبت أن الدخول في الكثير من التفاصيل غير المبررة حول كيفية إنهاء الشخص لحياته يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات مماثلة لدى القراء المعرضين لخطر الانتحار أو إيذاء الذات”، مضيفة “يُطلق على هذا التحريض”.

ومن ناحية أخرى، فإن عبارة “الانتحار الناجح” ليست فقط غير دقيقة، كونها توحي بفكرة تحقيق شيء إيجابي، ولكنها مزعجة أيضا، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين فقدوا أحباءهم. كما أن استخدام لغة أكثر ملاءمة وغير قضائية يمكن أن يشجع الأشخاص المحتاجين لطلب المساعدة.

ويجب دائما تقديم معلومات حول خطوط اتصال للمساعدة فجملة بسيطة يمكن أن تنقذ حياة شخص ما. يكفي أن يضيف الصحافي شيئا ما على غرار “إذا كنت في أزمة، فيرجى الاتصال بخطوط الهاتف أو الرسائل النصية ذات الصلة”.

وتشرح ستيفاني كوجن نائبة رئيس قسم الإتصالات والتسويق في المؤسسة الأميركية لمنع الانتحار “هذا كي يتاح لأي شخص يتناغم مع القصة أو التقرير الإخباري أن يصل إلى المساعدة الفورية إذا كان يعاني أو إذا كان قلقا بشأن شخص ما يعاني”.

وأضافت “هذا شيء بدأنا نراه في معظم الأخبار في الأسابيع الأخيرة؛ علامة واضحة على أن الوعي يزداد في غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية”.

وتشير الدراسات النفسية إلى أن الانتحار معقد، وغالبا ما يكون ناتجا عن أسباب مختلفة، بما في ذلك الأمراض العقلية، سواء تم التعرف عليها ومعالجتها أم لا.

وتقول كوجن “من المهم تجنب إعداد تقرير عن أنّ الانتحار كان بسبب حادث واحد، مثل فقدان الوظيفة أو الطلاق، حيث أن الأبحاث تظهر أنه لا أحد يقضي على حياته لسبب واحد، بل بسبب مجموعة من العوامل”.

وتضيف “الإبلاغ عن سبب واحد يترك للجمهور فهما مفرطا في التبسيط ومضللا حول الانتحار”.

ويجب التركيز على أنه إذا كان الأمر يتعلق بمرض عقلي أو بتعاطي مواد مخدرة، فقد يكون من المفيد وضع سياق للحوار العام حول الصحة والإدمان وتوسيعه، مع الإشارة تحديدا إلى أن هذه المشكلات يمكن علاجها.

وتوصي كوجن الصحافيين “تأكدوا من تضمين اللغة والأسلوب والصور المستخدمة رسائل مفادها أن الانتحار يمكن الوقاية منه”.

18