خيل الحكومة

قد يكون تصنيف منظمة الصحة العالمية للمراحل العمرية.. نوعا من الإنصاف المتأخر لقيمة حياة نملكها وقد لا نعرف مدتها، واعتبر من هم في سنّ الستين لا يزالون في مرحلة الشباب.
السبت 2019/08/10
الحياة تبدأ بعد الستين

يقولون إن “الحياة تبدأ بعد الستين”، هذا والعياذ بالله.. في بلاد “الفرنجة”، حيث يتفرغ المرء ليعيش حياته كما يحبها بعد سنوات عناء شاق، يتريض.. يبحث عن سياحة في بلاد الدنيا.. يستمتع بنفسه وبمن حوله، أما عندنا في عالمنا العربي، فالوصول إلى هذا السن ـ وربما قبله ـ لا يعني سوى انتظار “عزرائيل” وطلب حُسن الخاتمة، إذ ينحصر التفكير في البحث عن “مدفن” وتوزيع “التركة”، ولا مانع من إطلاق اللحية، ولبس الجلباب الأبيض مع مسبحة لزوم إتمام المراسم.

هنا الفارق بين ثقافتين.. ثقافة تبحث عن الحياة، وثقافة أخرى مناقضة تماما تجلس في البيت تهمّش نفسها مكتفية بدور “القردة” وتنتظر الموت في كل تعبيراتها وأحاديثها وسلوكياتها.. الثقافة الأخيرة أعتقد أنها سبب كل مشاكلنا وكوارثنا النفسية، بدءا من طوابير المعاشات التي هي إهانة طويلة متكاملة، وحتى قوافل المعزين الذين يحرص عليهم “المرحوم” وهو حيّ، أضف إلى ذلك كل النظرات المجتمعية ـ وربما الرسمية ـ التي تنظر إلى الإنسان هذه المرحلة على أنه “منته الصلاحية” و”عم الحاج” الذي يجب معاملته فقط بنظرية “خيل الحكومة”.. أي مجرد طلقتين في الجبهة!

في الغرب، بلجيكا مثلا، عندما يصل الإنسان سن الـ65، تطالبه دائرة التقاعد بإرسال رقم حسابه لتحويل راتبه الشهري، وتخصص رقما للاتصال عند وقوع مشكلة، إضافة إلى امتيازات أخرى منها تخفيض إيجار المسكن مع دعم شهري، عدا تخفيضات مماثلة في الكهرباء والمواصلات. مع العلم أن بلجيكا ليس فيها بترول ولا معادن أو غاز، ولا معالم أثرية تاريخية.. وإنما فيها “كفّار” للأسف.. شرفاء لا يسرقون!

وهنا، قد يكون تصنيف منظمة الصحة العالمية للمراحل العمرية (فبراير 2018) نوعا من الإنصاف المتأخر لقيمة حياة نملكها وقد لا نعرف مدتها، واعتبر من هم في سنّ الستين لا يزالون في مرحلة الشباب (25 ـ 65)، أما ما بين 66 و79 فهم متوسطو العمر، فيما كبار السن من 80 إلى 90، ومن تجاوز الـ100 سنة فهؤلاء فقط هم المعمرون!

بصراحة.. انتعشت معنويا.. قمت من سريري بكل نشاط وحيوية و”شباب”.. وقفت أمام المرآة متجاهلا بعض الشعيرات البيضاء وابتسمت.. ما عدت الآن أشعر بالكسل أو الإعياء و”الدوخة” وقلت لنفسي: أين كنت يا منظمة الأمم المتحدة من زمان؟ لأول مرة تفعلي شيئا جيدا يبث الاطمئنان في النفوس.. ولا يعبر عن القلق، أو الرفض والتنديد والشجب والإدانة والاستنكار!

24