داء الهجرة السرية ينخر الأسر والمجتمعات

الأحد 2017/12/03

وسائل الاتصال الحديثة أو ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي؛ فيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها من المواقع والتطبيقات لم تعد مجرّد محطات للتسلية أو تبادل الأخبار أو التأثير على الرأي العام في محطات سياسية أو انتخابية أو عسكرية مهمة في حياة الشعوب على اختلافها بما أن أي حادثة في مكان ما مهما كان قصيّا تؤثر سلبا أو إيجابا على أسواق العملة ودواليب الاقتصاد والعلاقات الدبلوماسية وغيرها من مجالات الحياة المتشعبة. وخاصة الأخبار الصادمة.

فما نراه ونشاهده ونسمع به حول الهجرة السرية أضحى من بين محاور اهتمام الأسر في أحاديثها ومسامراتها، والموضوع خلافي جدالي لا شك في ذلك بما أن الآراء تختلف بين مؤيد ومعارض.

استفزّني هاشتاغ على تويتر انتشر على الساحة العالمية وبالخصوص في ليبيا عن وجود سوق للنخاسة يباع فيها المهاجرون الأفارقة والذين يتركون بلدانهم بحثا عن المرور عبر التراب الليبي إلى أوروبا فيجدون أنفسهم في الأسر وتستباح إنسانيتهم ويباعون كالبهائم -ولست أعتقد أن الأمر خصني وحدي أو أي عربي أو مسلم أو أي إنسان مهما كانت ديانته أو ملّته- وأنا ابن تونس التي سبقت الولايات المتحدة في إعلانها عن مرسوم يحجّر العبودية بل يجرّمها.

موضوع كهذا على أهميته كان بالإمكان أن يمرّ ضمن الأخبار القصيرة على شاشات التلفزيون ولكن الفضل يعود إلى ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي الذين فجّروا نقاشا حادّا أدان إنسانية تجار البشر بل سلبوها منهم.

أعود إلى تونس وهي متاخمة لما يجري في ليبيا لأشير إلى حرقة العائلات والأمهات والمكلومين والمكلومات (المجروحين والمجروحات) الذين فقدوا أولادهم الشباب في عرض المتوسط على إثر اصطدام “حرّاقة”، وهي زورق صغير، ببارجة عسكرية فسّره من تربّعوا على عرش موائد التحليلات والنقاشات التلفزيونية كل على هواه، واحمرّت صفحة المياه بعد زرقتها بجثثهم الطاهرة البريئة وفقد البحر حنانه وبياضه ووفاءه.

الهجرة السرية أضحت ظاهرة “باليستية عابرة للقارات”، إن صحّت استعارة المصطلح العسكري، تذكرني برواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي السوداني الطيب صالح، لطالما شدتني فقرأتها مرارا وتكرارا، وتعاد القراءة ولكن بصيغة المأساة التي تحويها، بصيغة الأسر التي اكتوت بنار الفقد والحزن.

الغريب في الأمر أننا نسمع ودون خجل أو وجل أن هناك من الآباء والأمهات من يجمعون المال على ندرته فلسا فلسا ليوفروا معاليم “الحرقة” لأبنائهم عن طواعية، بل عن اقتناع بأنهم يجب أن يخوضوا التجربة، بل عليهم أن يقامروا بحياتهم من أجل أمل قد يتحقّق في تحسين سبل العيش. إنها أشبه بلعبة “الكازينوهات”، لعبة الأغنياء كبار المقامرين، ذات الصيت العالي في أرجاء العالم، إنها لعبة القدر وما يخبئه.

هل نلتمس للأسر الأعذار للدفع بأولادهم إلى “مجهول” ربّما يُحقق حلما برفاهية مفقودة؟ هل أصبحت الحياة البشرية رخيصة إلى هذا الحدّ لتكون رهان مغامرة نسب فشلها أعلى بكثير من نسب نجاحها؟

من لا يعرف ويلات الفقر والعجز والحرمان والقهر لا يمكنه أن يفهم المعادلة التي لا تستقيم في نظره. ولكن الذين كانوا في الأسفل وفي الحضيض دوما يفهمون لغة المقامرة بالنفس وهي أغلى ما يمكن أن يمتلكه الإنسان في الوجود.

الشباب الذي من المفروض أن يكون أداة البناء والتشييد الفكري والعلمي والتقني والمادي والحضاري عموما، يجد نفسه بـ”شهادة علمية جامعية” ورق لفّ الفاكهة أغلى منها قيمة. وهذا الشباب الذي لم يستطع أن يكمل دراسته بسبب الفقر والتهميش لا يجد إحاطة اجتماعية تدمجه في مسالك التكوين المهني.

وهذا الشباب الذي تلفظه العائلة لقلة ذات اليد ويجد نفسه في الشارع يستنبط الحيل من أجل “سندويتش” ومن أجل سيجارة ومن أجل تذكرة حافلة.

كل هؤلاء أمامهم خياران؛ إما الهجرة السرية وإما الانتحار البطيء الناتج عن انتظار ليس له آخر. ولكن هذا المنحى ليس المقصود منه تشجيع هؤلاء على الهجرة والمخاطرة بل غايته دفعهم إلى القناعة والصبر والاجتهاد في البحث عن موارد رزق تؤمن الاستقرار لا الغنى.

كما أن هذه الوضعية على ما فيها من قتامة لا بد أن تتصدر اهتمامات السياسيين في برامجهم ومشاريعهم وحملاتهم الانتخابية ووعودهم التي يجب ألا تكون كاذبة. وهي أيضا مسؤولية الحكام في هرم السلطة والذين يجب أن يضمنوا الحدّ الأدنى للشباب للاستقرار أولا ثم للتعمير ثانيا.

كلنا يعلم أن ظاهرة الهجرة السرية تفاقمت وكلنا يعلم نتائجها الوخيمة ولكن لنبدأ من داخل أصغر حلقة وهي الأسرة لنقوم بدور التوعية من المخاطر ونساعد أبناءنا على حسن التصرف والصبر والمثابرة والقناعة وخاصة الحلم الممكن الذي لا تزدهر البلدان إلا به.

كاتب تونسي

21