"دائرة الطباشير" عرض سوري ينتحل مفهوم التمرد ويبدّده

الخميس 2015/01/08
المسرحية تدعو إلى المهادنة

برغم المحاولات الكثيرة للاستفادة من تقنيات بريخت في غرس الوعي لدى الجمهور بوصفه فاعلا، إلاّ أن المسرح السوري لم يقدّم صيغة عميقة، كتلك التي قدّمها بريخت، حتى مع محاولات سعدالله ونوس في استخدام تقنياته.

اختيار نصوص بريخت وآليات العرض المرتبطة به تطرح دائما إشكالية، بوصفها مرتبطة بالجانب السياسي والاجتماعي، لا بوصفها عروض فرجة تهدف إلى الإمتاع والإبهار البصري، فالمشاهد فاعل لا متلصص، والعرض يخاطبه ولا يهدف إلى توريطه في الإيهام.

مؤخرا شهدت خشبة مسرح الحمراء في العاصمة دمشق عرض “دائرة الطباشير”، عن نص للألماني بيرتولد بريخت بعنوان “دائرة الطباشير القوقازية”، إخراج أيمن زيدان وأداء مجموعة من الممثلين منهم محمد حداقي، وسيم قزق، عروة العربي، ولاء عزّام وغيرهم.

تبدو ملامح المسرح الملحمي واضحة في العرض، فاللعبة مكشوفة ودور الراوي فعّال، ويشارك في الأحداث عبر سرد تفاصيل الحكاية وسيرها، بالإضافة إلى كشفه لبواطن الشخصيات وما يدور في خلدها من مونولوجات.

كذلك تظهر الأقنعة التي تحملها الشخصيات على ظهورها كجزء من حالة المسرحة، وتوظيف تقنيات التغريب المختلفة عبر خلق الفضاءات، ومزج ما هو مأساوي مع ما هو كوميدي، والتوجه إلى الجمهور في الحديث، إلاّ أن ملامح الأداء التي يتسم بها المسرح السوري مازالت موجودة، بالرغم من محاولات ضبط الصراخ، إلاّ أنه مازال حاضرا إلى جانب التهريج.

وبالرغم من وجود ممثلين محترفين، إلاّ أن التهريج مازال واضحا عبر المفارقات الكلامية والكوميديا القائمة على الدعابة، لا على الكوميديا المرتبطة بالعيوب، فالإضحاك وإن حضر هو أسلوب لانتقاد العيوب لا لتسلية المتفرجين، على فرض أن العرض يقدّم صيغة نقديّة للواقع عبر حضور رؤية المخرج البريختية.

فالعرض يفلت كثيراً من زمام زيدان، ليبدو بعض الممثلين معتمدين على ارتجالاتهم الشخصية المرتبطة بأدوارهم السابقة، سواء المسرحية أو التلفزيونية، بعيدا عن مقولات بريخت في بناء الشخصية التي تجعلها تعكس مقولات لا شخصيات.

بالرغم من وجود ممثلين محترفين، إلاّ أن التهريج مازال واضحا عبر المفارقات الكلامية والكوميديا القائمة على الدعابة

النص يحمل مقولات سياسية واضحة مرتبطة بالحرب والتغيرات السياسية وتأثيرها على الشعب، إلاّ أننا في عرض زيدان نلاحظ تشتت هذه المقولة، ليضيع المشاهد فيما يريد العرض أن يقوله وبصورة أدق “أن يغيّره”. فالمتمرّدون ينعتون بالسفلة، ثم تُتبادل اتهامات السفالة ليبدو لوهلة أن العرض يرثي الشعب المسكين، الذي يختار قاضيا يحكم في أمورهم مخالفا القانون بصورة كوميدية.

العرض يوجه الانتقادات إلى أيّ طرف يحاول سرقة حق الشعب، إلاّ أنه لا يلبث أن يصدمنا بمقولة تقضي على التشتت في المعنى، ليصبح بعدها الموقف واضحا، إذ يعلو صوت القاضي قائلا: “الأرض لمن يحرثها والوطن لمن يحميه”.

ويبدو أنه برغم كل الثقل الفني الذي يحمله أيمن زيدان فإنه لا يستطيع الخروج عن مقولات المسرح القومي، حيث لا بدّ أن تحضر المؤسسة الرسمية ورؤيتها، فالإحالات البسيطة التي يحملها الحوار للواقع الآن في سوريا، تأتي بصور شبه عفوية في سبيل التواصل مع الجمهور، بالرغم من أن الحكاية ترتبط بزمان ومكان آخرين، وهذا أحد أهداف بريخت.

برغم كل الثقل الفني الذي يحمله أيمن زيدان فإنه لا يستطيع الخروج عن مقولات المسرح القومي، حيث لا بدّ أن تحضر المؤسسة الرسمية ورؤيتها

لكن السؤال يكمن إن كان الهدف يكمن في مقولة ما، فلم الاستعانة ببريخت؟ لم اللجوء إلى تقنية مسرحية عالية؟ إن كانت هذه المقولة معروفة ولا تدعو سوى للاستكانة؟ ألا يجدر اللجوء إلى نصوص مؤلفة في سوريا؟ وهل التناقض الذي تخلقه اللغة الفصحى مع القفشات باللغة العامية، هو أسلوب للتغريب وكسر إيهام الشخصية؟ أم وسيلة لاجتذاب الجمهور وإثارة الضحك؟

موضوعات تجارة الحرب والفساد في المؤسسات حاضرة في المسرحية وتُذكر بوضوح، إلاّ أن العرض لا يقدّم الحل، فمسرح بريخت يهدف إلى التغيير لا إلى التعاطف وإثارة الشفقة.

لا يمكن إنكار المعالجة البصرية التي قدمها العرض ومستواها المختلف عن الموسم المسرحي السابق، وهي حالة قليلة الحضور في المسرح السوري، ففضاء العرض لا يحوي البهرجة المعتادة، بل يقارب أسلوب بريخت في التعامل مع العرض من ناحية الفرجة.

في حين أن مقولات العرض متناقضة، وتبدو كأنها وسيلة لإعلان حضور زيدان داخل سوريا وموقفه الذي يصرح بأنه قائم على المصالحات.في حين أن موقفه المعلن دائما هو تأييد النظام بكل ما قام به من بطش وتدمير وإبادة خلال أربع سنوات من الآلالم السورية.

16