دائرة العنف والقمع تتسع في تركيا

السبت 2015/04/04
قوات الأمن التركية تشن حملة اعتقالات واسعة في أوساط اليسار

أنقرة – أعادت عملية اقتحام قصر العدل في مدينة إسطنبول التركية من قبل منظمة يسارية راديكالية، تسليط الضوء على حزب “الجبهة الثورية لتحرير الشعب” المحظور في تركيا؛ الذي عاد للنشاط فاتحا جبهة جديدة من التعقيدات أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته، التي تشهد رفضا متصاعدا لها في الداخل، وتواجه تغييرات استراتيجية إقليمية ودولية تجبرها على مراجعة سياستها الخارجية. ويقول خبراء إن تركيا تدفع ثمن دعمها للتنظيمات الإسلامية والمتطرّفة؛ وهي اليوم تواجه تطرّفا راديكاليا يساريا لا يختلف في شكله وعنفه عن التطرّف الإسلامي.

عاشت إسطنبول، نهاية مارس الماضي، على وقع هجومين دمويين أُلقيت مسؤوليتهما على “الجبهة الثورية لتحرير الشعب” اليسارية الراديكالية، واعتقلت على إثرهما القوات الأمنية التركية عشرات من أعضاء الحركة التي عادت إلى النشاط الميداني، بعد غياب، مستغلّة تركز الاهتمام على محادثات السلام مع “حزب العمال الكردستاني” وتورّط تركيا في ما يجري في المنطقة الإقليمية، بالإضافة إلى المشاكل الداخلية التي يواجهها نظام أردوغان مع “الكيان الموازي” والمعارضة المتصاعدة.

وقع الهجوم الأول في الحادي والثلاثين من مارس الماضي، حين اقتحم مسلحان تركيان ينتميان لحزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب إحدى المحاكم بمدينة إسطنبول واتخذ المدعي العام محمد سليم كيراز رهينة. وحمّل الحزب كيراز مسؤولية عدم محاكمة رجال الشرطة بعد مقتل بركين ألفان، وهو مراهق لقي مصرعه بعد أن تعرض لإصابة على مستوى الرأس بقنبلة غاز مسيلة للدموع خلال مظاهرات يونيو 2013 في ساحة تقسيم في إسطنبول. وبعد مواجهة طويلة، تمكنت السلطات التركية من دخول مكتب كيراز، الذي لقي مصرعه مع المسلحين. وفي الحادثة الثانية سقطت ناشطة من حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب قتيلة عندما حاولت مع ناشط يساري آخر اقتحام مركز للشرطة، وتفيد التقارير أنها كانت ترتدي حزاما ناسفا.

وينبئ هذا الهجوم، الذي جاء بالتزامن مع انقطاع مفاجئ في التيار الكهربائي يشمل معظم مدن تركيا وهجمات أخرى على منشئات حيوية، وفق المحلّل السياسي المصري، حسني السيد، بأن الأوضاع السياسية والأمنية داخل تركيا في حالة تردّ شديد وذلك لعدم موافقة الكثير من الأترك على سياسة أردوغان سواء في الداخل أو الخارج. وأكّد حسني السيد إن احتجاز المدعي العالم بالقصر العدلي يعني غياب الأمن داخل الأمن داخل العاصمة التركية، ودليل على ازدواجية السياسة التركية حيث أن الأفكار التي تنادي بها خارج الحدود لا تقدر على نشرها داخل الحدود.

وقد استغلت حكومة حزب العدالة والتنمية هذه الأحداث الأمنية لشن حملة شعواء على كل من يتظاهر ضدها وعلى الإعلام الذي ينتقدها، فضلا عن أحياء وصفتها بأنها «معاقل لليسار المتطرف وللأكراد».

التهديد المتجدد لحزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب يؤدي إلى إعادة النظر في العديد من الإجراءات الأمنية

عودة اليسار الماركسي

وصف خبراء عملية احتجاز القاضي الذي يحقق في قضية مقتل بيركين ايلفان بـ “جيدة التخطيط"، ومن خلالها أعلنت الجبهة عن عودتها للنشاط، وبقوّة”.

ويعتبر حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب تنظيما ماركسيا ظهر بعد أن انشق عن اليسار الثوري الراديكالي. وتراجع نشاط التنظيم بشكل مطرد على مدى عدة سنوات. لكن، تزايد المشاعر المعادية للحزب الحاكم في تركيا أعاده إلى النشاط.

وتدرج تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الحزب الماركسي على قائمة المنظمات الإرهابية، وتحمله المسؤولية عن عدد من الهجمات التي أوقعت قتلى مدنيين وعسكريين بتركيا خلال العقود الأربعة الماضية. وترفض الجبهة بقوة عضوية تركيا في الحلف الأطلسي. وبعض أعضاءها من الأقلية الكردية المعروفة تقليديا بنشاطها اليساري. وتقول الجبهة الثورية إنها تسعى إلى الانتقام لمقتل المحتجين في التظاهرات المناهضة لأردوغان في العام 2013.

ويتدرّب حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب في اليونان بعيدا عن متناول السلطات التركية. وتفيد بعض التقارير أنه كان هناك اتفاق بين أجهزة المخابرات اليونانية وحزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب يقضي بالسماح للجبهة الماركسية بتلقي تدريبات على الأراضي اليونانية مقابل ضمان عدم شنها لهجمات داخل اليونان. ولا يزال عدد عناصر حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب مجهولا. وتختلف التقديرات بين بضعة مئات و7000 عنصر. وخلال العاميين الماضيين أمر المسؤولون الأتراك واليونانيون باعتقال مئات عناصر الذين يزعمون انتماءهم للتنظيم، بما في ذلك زعيم حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب حسين فوزي تكين، الذي تعرض لعملية اختطاف في أثينا في فبراير عام 2014.

أحمد داود أوغلو: الدولة التركية تعي جيدا وجود "تحالف أشرار" في الأحداث الجارية

ورغم التدريبات التي يتلقاها، يبدو أن طموح حزب حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب يفوق قدراته. فمنذ سنة 2000، قامت مجموعة من حوالي عشرة أشخاص فقط باعتداءات مسلحة وتفجيرات واغتيالات. كما أنه تم إحباط وإفشال العديد من المحاولات، بما في ذلك هجوم مايو عام 2003 الذي قامت خلاله أحد عناصر حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب فصل جهاز التفجير الذي كان بحوزتها عن طريق الخطأ عندما دخلت بيت الراحة. وكانت المجموعة أيضا وراء تفجير انتحاري فاشل في الأول من فبراير عام 2013، كان من المقرر أن يستهدف السفارة الأميركية في أنقرة.

تهديد متجدد

ساهمت الجبهة الثورية لتحرير الشعب في عمليات التحريض على العنف خلال مظاهرات عام 2013. وجلب استعداد الجماعة للوقوف في وجه شرطة مكافحة الشغب اهتمام العديد من الشباب التركي الساخط على الحكومة.

ونتيجة لذلك، توافد أعضاء جدد يحملون مشاعر معادية لحزب العدالة والتنمية على حزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب. والآن، يبدو أن التنظيم الذي كان على وشك الانقراض يشكل تهديدا مستمرا، على السلطات التركية في البلاد لسنوات قادمة.

ومع ذلك، يمكن أن يؤدي التهديد المتجدد لحزب الجبهة الثورية لتحرير الشعب إلى إعادة النظر في العديد من الإجراءات الأمنية للحكومة التركية التي تم تمريرها في البرلمان والتي تعتبر ذات أهداف سياسية. وتتهم المعارضة أردوغان بتحويل تركيا إلى دولة بوليسية بسبب الإجراءات القمعية تجاه المتظاهرين المعارضين.

وتلطخت سمعة أردوغان، الذي وصفه الشارع بأنه “ديكتاتور” خلال احتجاجات منتزه جيزي يونيو 2013 الشهيرة، والتي قام فيها بقمع المتظاهرين.

ويؤكّد خبراء أنه كلما تدهور الوضع الأمني وأصبح الاضطراب السياسي أكثر وضوحا، استعدت الحكومة أكثر لمزيد من القمع؛ وتوقّعوا أن يستخدم أردوغان سلطاته الدستورية كافة حتى آخر نفس، وهذا سيؤدي إلى أزمة حقيقية للنظام في تركيا.

وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو قد أعلن بعد مشاركته في تشييع المدعي العام إن العملية نفذها «تحالف الشر» الذي يضم «الإرهابيين» والمتظاهرين المناهضين للحكومة.

وهدد أوغلو كل الذين ينوون استغلال الأحداث تلك لتحدي حكومته، قائلا «إذا تظاهر أحدهم ملثما أو حاملا زجاجة حارقة، فأنا أحذّره بأننا لن نقبل بذلك».

6