داجي وساجي ومعهما ناجي

الاثنين 2014/01/06

أذكر- منذ خمسين سنة- أن أبي كان لديه متجر صغير، يؤمن متطلبات الحي من المواد الغذائية.. وكان أهل حينا أناسا بسطاء، متحابين، بل أكاد أقول إنهم أسرة متضامة.

فكانت جارتنا أم زياد الفلسطينية، تعجن وتخبز على التنور خبزا ما ذقت مثله حتى اليوم ، وكنا نسميه الخبز الفلسطيني وكان ألذّ خبز في العالم لاسيما إذا أكل مع الزيت والزعتر، الله الله، يا أم زياد، وكانت أم زياد عند كل عجنة وخبزة، توزع على جيرانها بعضا من خبزها، وكذلك كانت تفعل أم سعيد التركمانية والتي كانت تشوي الشاورما بعد تقطيعها وإعدادها في بيتها، ووضعها في صاج كبير، وتوزعها متوافقة مع أم زياد على أهل الحي في يوم واحد، ليصيب كل طفل منا نصيبا من رغيف وبعضا من الشاورما .. وقل الشيء نفسه عن أم فارس الكردية التي كانت توزع خبز الكليشا وكذلك أم أمين الحورانية التي كانت تعد اللزاكيات وتوزعها في اليوم نفسه.

فكان سكان حيّنا في ذلك الزمن وبحق أسرة واحدة متضامنة وكان والدي يؤمّن لهم من مخزنه الخضار والسمن والزيت والطحين وكل ما يلزم من مواد غذائية أولية. وجرت الحال هكذا، إضافة إلى سهرات العشيات – قبل التلفزيون- حيث كان أطفال الحي يتحلقون حول/ تقبريني/ وهذا هو الاسم الذي عرفناها به نحن الأطفال، لأنها كانت كلما التقت إحدى جاراتها، تبتدرها بكلمة تقبريني مشفوعة بقبلة صارخة. وعلمت فيما بعد أن اسم تقبريني هو نوفة الديرية.

وجرت الحال هكذا إلى فترة السبعينات والتي حدثت قبلها وبعدها، تغيرات في بنية الحي العمرانية والسكانية. وكان من بين هذه التغييرات أن أسرة غريبة سكنت في حينا المسكين.

وكان في الأسرة ثلاثة إخوة توائم، هم داجي وساجي وناجي- هكذا كانت أسماؤهم- وكأن القدر لم يكتف بالشبه الخلقي فأضاف شبها في الأسماء زيادة في عنائنا منهم.

وأقول عناءنا، لأننا كنا إذ نلعب، نحار بينهم فإن صادف وأصابنا أحدهم بحجر أو طق لنا الكرة وأردنا أن نشكوه إلى والده، وسألهم الأب: من فعل ذلك رد الثلاثة معا: داجي ساجي ناجي وكأنهم يرددون شعار/وحدة حرية اشتراكية/ فنرجع خائبين محسورين.

كبرنا وكبر معنا التوائم وكبرت مشاكلهم بازدياد احتياجاتهم – بعد موت أبيهم- فصاروا يستدينون من أهل الحي المال والغذاء بل والكساء أيضا. ولكن باسم واحد منهم هو داجي. وعندما يطالبهم أحد سكان الحي بالسداد ومن هؤلاء المطالبين كان أبي لأنه تحمل منهم النصيب الأكبر من الديون، فكان المطالب يقول أنا ناجي أو يقول أنا ساجي ولست داجي…فحار أبي فيهم وحار رئيس المخفر وكذلك أهل الحي. لأن السرقات في الحي زادت مذ كبر هؤلاء الثلاثة التوائم … وإلى اليوم مازال : داجي وساجي وناجي يقومون بإقلاق أهل الحي وأهل المدينة بل أقول أهل بلدنا سوريا كلها بأفعالهم المجرمة ويدعي كل منهم أن أخاه هو من فعلها.. ليس هذا فقط بل زاد الأمر سوءا والخراب خرابا، أن كلا من داجي وساجي وناجي ولد ثلاثة توائم وأسماهم : داعش وماعش وناعش.

24