داخل كل شاعر رسام وداخل كل رسام شاعر

بين الشعر والتشكيل تأثير متبادل وتوق إلى جمالية قصوى.
السبت 2021/02/20
حالة مرهفة من التنازع الجمالي المثمر (لوحة للفنان محمد العامري)

العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر ليست جديدة، بل هي قديمة إلى حد التمازج، فإن كان معدن الشعر الأول هو اللغة فإن بدايات اللغة كانت الرسومات. ولم تكتف العلاقة بين الفنين بهذه النشأة في بدائيتها، وإنما تطورت بتطور الوعي فكما كان الشعر صورة وبناء وتمثلا تقدمه المخيلة للعالم، كان التشكيل أيضا بنية وخطابا بصريا. إنها علاقة تتشابك يوما فآخر منذ القديم.

يرصد الناقد محمد صابر عبيد في كتابه “التشكيل الشعري البَصَري” حيثيات العلاقة الجمالية بين الشعر والتشكيل في عتبة العنوان حصرا، للكشف عن وعي هذه العلاقة في قدرتها على الارتفاع بالشعري ارتفاعا تشكيليا يأخذ ويعطي، بوساطة فهم ووعي وتمثل إجرائي يرى حيوية التفاصيل بعمق ودقة وأناة، ويدرك طبيعة تفاعلها وعملها.

ويعتمد عبيد في رصد النماذج على مقاربة إجرائية تحاول اقتناص التركيبة العنوانية للعنوان الشعري الرئيسي والثانوي، قدر علاقته بالمتن الشعري في المساحة المتاحة بين رأس العنوان وجسد القصيدة، بحيث لا يمكن أخذ العنوان من دون الهبوط القرائي نحو تفاصيل المتن وارتباط طبقاته الوثيق بعنوانه.

البقعة الأرجوانية

في كتابه، الصادر حديثا عن دار خطوط وظلال في عمان، يرى عبيد أن المنهج النصي، بأدواته وتقاناته البنيوية السيميائية، يشكل الأصل في حركية الفعل النقدي وإجرائيته، على مستوى بناء العلاقة التشكيلية بين مكونات القصيدة، بدءا من عنوانها وانتهاء بطبقات متنها الشعري.

ويتخذ عبيد من تجربة الرسام والشاعر الأردني محمد العامري، في ديوانه “ممحاة العطر”، أنموذجا لتداخل الشعري بالتشكيلي، بوصفه شخصية إبداعية تنشطر إلى شطرين متوازيين ومتقابلين هما الشاعر والرسام، وهي فكرة تمهد لقراءة صحيحة أكثر مما تعيق حرية البحث والرصد والتحليل والتأويل والاستنتاج، ولاسيما حين تزعم القراءة أنها لا تنوي تحميل النص على هذا النحو ما لا يحتمل، بل ستجتهد في أن ترى التشكيلي في باطن الشعري داخل عتبة العنوان وتجلياتها في المتن الشعري على نحو مخصوص.

الناقد يتخذ من تجربة الشاعر الأردني محمد العامري في ديوانه "ممحاة العطر" أنموذجا لتداخل الشعري بالتشكيلي

ويضيف عبيد أنْ يكون الشاعرُ رساما أو الرسام شاعرا فتلك فضيلة ترفع شأن الفنين معا إلى أعلى المراتب الممكنة شعرا ورسما، وقد يتبادر السؤال هنا حول هذه العلاقة عن أيهما أسبق وأيهما أرفع وأيهما أكثر تأثيرا في الآخر، ولا شك في أن الإجابة لن تكون سهلة على الإطلاق لأن العلاقة تبقى على قدر من الغموض الجميل الساحر، الذي لا يعطي نفسه بسهولة؛ أو بالأحرى لا يعطيها في نهاية الأمر إلا في سياق فهم دقيق لإشكالية هذه العلاقة وتموجاتها وتفاصيلها الدقيقة، فللقصيدة مثل ما للوحة من حضور في الذائقة الجمالية لدى مجتمع التلقي الفني عموما.ويرجع الناقد عبيد العلاقة بين فن الشعر وفن الرسم إلى منابع وجذور قديمة منذ أن كان يُنظَر إلى الشعر على أنه رسم بالكلمات والرسم شعر بالريشة، وهي علاقة تنطوي على الكثير من التفاعل والتلاحم والتحايث لوجود مرجعيات جمالية مشتركة تغذيهما معا، وظل الشاعر ينصت عميقا في داخله لصوت التشكيل، وينصت الرسام عميقا في داخله لصوت الشاعر، وما مصطلح “التشكيل” سوى نتيجة مركزية لهذه العلاقة في قدرتها على إنتاج المزيد من المصطلحات والمفاهيم والرؤى التي تجمعهما في قارورة واحدة، بحيث يظل التأثير المتبادَل بينهما قائما بلا حدود وبلا توقف أبدا.

لكن ما يعني الناقد في هذا المقام، على وجه الدقة والتحديد، هو كيفية تسرب مياه التشكيلي إلى واحة الشعري بدرجة معينة من الدرجات، لأجل إروائه وتموينه وإشباعه بما يتيسر من الإمكانات الفنية التفصيلية ذات الخصوصية التشكيلية المميزة لبلوغ حالة جمالية شعرية راقية، ليس بوسع القصيدة وحدها أن تصلها من دون حساسية هذه العلاقة على هذا المستوى من التفاعل والتأثير. وإذا كانت القصيدة تقوم على الغنائية في أعلى درجات تشكيلها الشعري اللغوي والصوري، فإن الروافد التشكيلية وغيرها تمنح هذا الوجود الغنائي طاقة أكبر على توسيع حدود الشعري وتعميق فعالية تماسكه النصي.

ويرى الناقد عبيد أن البقعة الشعرية الأرجوانية في منطقة “العنوان” تحفل بقيمة كبيرة على مستوى الأداء البصري، حيث تكون المنطقة الأولى التي تلتقيها عين القارئ، فهي تبث مجموعة من العلامات التشكيلية التي تستجيب لها عينه مباشرة، فتتفاعل معها من البداية على نحو مركزي وأساس من الأنحاء المتاحة.

أما العنونة الصغرى فهي عناوين القصائد في “صفحة المحتويات” وفي متن كل قصيدة من قصائد الديوان، وتحتل عتبة العنونة الصغرى لكل قصيدة الموقع الأول الأعلى في صفحة القصيدة، ويُكتبُ العنوان ببنط عريض ومميز يختلف عن البنط الذي تكتب به كلمات القصيدة، على النحو الذي يعطيه موقعا بارزا مثيرا لبصرية الرؤية بما يجعل منه مجالا لحضور الفاعل التشكيلي مقترنا بالفاعل الشعري، وهو ما وجدناه في ديوان الشاعر التشكيلي محمد العامري “ممحاة العطر” على النحو الذي يساعد في تحليل العلاقة نقديا بين منطقة الشعر ومنطقة التشكيل في عتبة العنوان حصرا، بوصفها الفضاء الأكثر رحابة لاستيعاب هذه العلاقة بين المنطقتين.

ذخيرة الهوى

أحلام الرصيف (لوحة للفنان محمد العامري)
أحلام الرصيف (لوحة للفنان محمد العامري)

يستهل الناقد كتابه بشهادة ذاتية كتبها العامري تتضمن صورة ذاتية فنية وموضوعية ترسم مسار التجربة وطبقاتها وتمثلاتها، وتنقسم إلى قسمين متناظرين ومتداخلين، الأول بعنوان “هو بضمير الغائب” يحتوي على معلومات سيرية ضرورية لفهم المناخ العام للتجربة، على صعيد التاريخ والجغرافيا والاجتماع والنفس والمحيط بدوائرها العديدة.

ويندرج الثاني في صورة الـ”هو بضمير المتكلم” ليحتوي على شبكة من الطبقات التي تولد جوهر التجربة، وفي كل طبقة منها يرى العامري شحنة كثيفة وعميقة من شحنات تجربته الشعرية والتشكيلية في مرجعياتها الفلسفية والصوفية والسوسيوثقافية.

العلاقة بين الشعر والرسم تعود إلى زمن كان يُنظَر فيه إلى الشعر على أنه رسم بالكلمات والرسم شعر بالريشة

وحسب الناقد، يمكن معاينة هذه الشهادة بوصفها عنوانا عاما للتجربة تتضمن عناوين صغيرة للتفاصيل والتكوينات والألوان، إذ تبرز الروح التواقة لبلوغ أقصى الشعر في أقصى التشكيل داخل حالة مرهفة من التنازع الجمالي المثمر، يضعها هنا بقعة أرجوانية “عنوانية” تضيءُ متن الكتاب من أوله إلى آخره بطاقة تنوير عالية لا تتوقف.

وفي مقاربته للتعالق الإبداعي بين الشعري والبصري في تجربة العامري، يوضح عبيد أنه يتماثل تعالقا متحايثا في أعلى درجات التحايث، حتى أنه لا يمكن أخذ جزء من هذه التجربة والبحث فيها ورصد تحولاتها الجمالية إلا في سياق تناول الجزء الآخر، في ثنائية فاتنة قد لا تتحقق كثيرا لدى البعض من الشعراء الرسامين أو الرسامين الشعراء إلا نادرا، وتحتل عتبة العنوان في مشروعه الشعري والتشكيلي أهمية قصوى تتضح تماما من استعراض مراحل هذين المشروعين اللذين هما في جوهرهما مشروع واحد، ابتداء من ديوانه الأول “معراج القلق” وحتى ديوانه الأخير “وعليه العشب”.

وفي رأي عبيد، يقترب العامري دائما من وهج الكلمة الشعرية ليدس فيها ما يحمل من ذخيرة الهوى على هيأة تشكيل محشو باللون والطعم والرائحة، تمتد في نسيج البهجة من النور إلى النار، ومن الصحو إلى العتمة، ومن الماء إلى اليابسة، لا يفرق بين كلمة وأخرى إلا بالشعر، حتى يتحولَ “عليه العشبُ” (ديوانه الأخير) إلى سماء خضراء بتدرجات لونية لا تنتهي، تنهل من رحيق النجوى غيما أرق وغيثا أصفى، هذا هو ينشد أناشيده الصوفية طالعة من رحم لغة شفافة مزهرة لا تركن للذاكرة، بل توغل في أنساغ التجربة الجديدة لتشحنها بألم الأمل، وتوقد في بريق مسلتها عنوانا آخر للحب ليس له عنوان.

ويجد عبيد أن المشروع الشعري للعامري يتوازى ويتعامد مع مشروع تشكيلي بصري تحقق في سياق مجموعة من الأنشطة المهمة، بدأت بمشروع “فضاءات شعرية” في العام 1992 حاول استبطان الشعر تشكيليا، ثم “تلاقيات الشاعر محمد القيسي” عام 2001، وهو مشروع تشكيلي يستثمر تجربة الشاعر محمد القيسي على أكثر من صعيد.

وفي السياق نفسه قدم العامري تجربته التشكيلية الموسومة “جاز صحراوي” تستبطن تشكيليا تجربة الشاعر أمجد ناصر، إضافة إلى تجربة مشابهة عن الشاعر محمود درويش عنوانها التشكيلي “أثر الفراشة”، وتجربة موازية عنوانها “كأنه ليل” عن الشاعر طاهر رياض.

وثمة تجارب تشكيلية أخرى مفعمة بروح الشعر وتفاصيله وإيقاعه وطبقاته بدأت مع تجربة “التفكير باليدين – ثيربانتس”، وتجربة “ملاحة بصرية، ورق يدوي ونباتات”، وتجربة “التفكير عبر الكولاج – مسارات اليد تجليات البصيرة”، تعمل كلها على تدعيم التشكيلي بالشعري وفتحه على مسارات تتعمق فيها الروح التشكيلية داخل طبقات اللون والخط والكتلة، حيث تعمل فيها الريشة عمل القلم استنادا لطاقة تخييل مشتركة تتعاضد فيها قوة الشعري مع قوة التشكيلي في رؤية واحدة.

13