داريوش شايغان الراحل في طهران مفكر نقدي في مواجهة الدين والأيديولوجيا

المرض يهزم المفكر الإيراني داريوش شايغان الذي فارق الحياة عن عمر 83 عاماً في العاصمة الإيرانية طهران.
السبت 2018/03/24
علامة بارزة في تاريخ الفكر العالمي

توفي الخميس المفكر الإيراني داريوش شايغان عن عمر 83 عاما في العاصمة الإيرانية طهران بعد شهرين من المعاناة مع المرض في أحد المستشفيات نتيجة إصابته بجلطة دماغية. ورغم رحيله جسدا يبقى فكر شايغان علامة بارزة في تاريخ الفكر العالمي، خاصة في نقده للمنظومة الدينية والهيمنة الغربية والأيديولوجيا بأنواعها.

ظل هاجس شايغان الذي غادرنا جسداً وبقيَ فكره ينهش بقايا الوعي الأيديولوجي الزائف، ليُحيله نسجا لمعرفة تواصلية لا تفقد أنسنتها وانفتاحها على الغير بوصفه "الذات عينها كآخر" بعبارة ريكور، ولا تغيب أنسنتنا التي زرعناها أفقاً للترحاب والتواصل المعرفي إلَا حينما نُغيب عقولنا، لنجعلها غائرة في اللاتاريخي الذي بهيامنا به وعشقنا لسحره إنما نصنع بأيدينا "أطرنا الفكرية المُنغلقة" لإدامة عُزلتنا عن الآخر، الذي كُنا نحن في عصورنا الذهبية مُنفتحين على نتاجه الثقافي الثري وتصييره لتنشيط العقل الفلسفي والعلمي في تاريخنا الديني والفكري المنتصر.

محاولة تشخيص الخلل في علاقة الأنا مع الآخر
محاولة تشخيص الخلل في علاقة الأنا مع الآخر

حاول شايغان هدم البعضٍ من أسيجتنا الدوغمائية المُتحجرة في مُحاولة منه لبناء عقل فاعل يرغب في تحقيق اليقظة والانتقال لبناء وعي نهضوي عبر التواصل "اللاَمرضي" مع الغرب الواعي "اللاكولونيالي المُتأمرك"، ومحاولته تشخيص الخلل في علاقة الأنا مع الآخر، والنفاذ لتحولات "النفس المبتورة" في ثقافتنا التي لا ترى سوى نصف الكأس، فمنها من لا ينظر سوى لنصفها المملوء، وآخر لا ينظر إلَا لنصفها الفارغ، وكل يرى النصف المملوء أنه الموافق لأيديولوجيته، فمن ينتمي لأيديولوجيا العودة إلى التراث بوصفه مكمن الإبداع والنهضة المرجوة، لا يرى سواها كنصف يداوي نفسه المبتورة، ومن ينتمي لأيديولوجيا الحداثة والمعاصرة بطابعها التغريبي، لا يرى سوى النصف الملآن بكونه هو المُعبر عن تماهي الذات الإسلامية مع مقولات التحديث، وكلاهما لا يرى النصف الفارغ من الكأس إلَا بوصفه نقيضه الذي كان سببا أساسياً لتخلف الذات وتراجعها. وفي كلا الأمرين هناك هروب من الواقع وإعلان عن عدم تمكننا من مُعالجته، إما بالهروب منه إلى الخلف "الماضي" وإما بالهروب منه إلى الأمام "الحداثة الغربية"، وهذا لا يعدو سوى تأكيد لحضور الغرب وفاعليته في تغيير نمط التفكير في العود القهري للماضي أو التماهي مع الحاضر أو لما بعده "المستقبل" من دون بناء أسس معرفية قادرة على تشكيل هوية مُتماسكة لا بتر فيها.

وقد أكد رؤيته هذه بكتابه "هوية بأربعين وجهاً"، بكل تمزقات هذه الهوية الضائعة، وتوهانها بين عوالم العودة والإفناء والاكتفاء بالماضي، أو الخروج من سطوة هذا الماضي لعبور أمواج بحار التقنية الفائقة والثورة المعلوماتية المتلاطمة، أو ما سماها توفلر بـ"الموجة الثالثة" بمجداف خشبي.

هناك البعض من أوجه الشبه بينه وبين بعض المفكرين العرب، لا سيما أركون في تركيزه على مفهوم الفرقة الناجية أو مفهوم النجاة، وقد سماه شايغان "تاريخ لنجاة الأخروي"، وكيفية تجلي مفهوم الخلاص في البحث عن الفرقة الناجية في الإسلام، و"كل حزب بما لديهم فرحون".

اهتم شايغان بنقد الفكر الديني، وهذا ما بدا جلياً في كتابه "ما الثورة الدينية"، في محاولة منه لاستكمال رؤيته التي طرحها في كتابه "النفس المبتورة" الذي ركز فيه على ما ذكرناه آنفاً، ليؤكد على ضرورة بناء فكر حر تعددي يقبل التنوع لا تفوح منه رائحة الأيديولوجيا بكل ما فيها من تطرف وإقصاء.

وكل ما عانت وستعاني منه حضارات الشرق هو هذا الإصرار على التمسك بالروح الباطني والسحري المؤسس لبنائها الفكري، وعداؤها المُفرط لكل سُبل التحديث التي جاءت بها الحضارة الغربية، وإن ظهر لنا بعض حضور وتأثير لهذه الحضارة فهو يُعد في المخيال الجمعي غزوا فكريا لا بد لنا من مُحاربته والخلاص منه ومن أتباعه "أذناب الاستعمار"! حتى غاب العقل النقدي عن حضاراتنا الشرقية بما فيها الشرق الأقصى "الهند والصين واليابان وكوريا" رغم ما تشهده هذه البلدان من نهضة تقنية ومن نجاح مُلفت إلَا أنه "نجاح يشبه نجاح التلميذ الذي يُقدم إجابة ناجحة جيدة في امتحان بلغة أجنبية" (شايغان/ هوية بأربعين وجهاً/57)، وما يؤاخذ عليه شايغان هذه البلدان أنها بقيت أسيرة التبعية والتقليد ورهينة لتحولات الفكر الغربية وعلومه وتقنياته، وكل ما حصل فيها وسيحصل من تطور إنما هو إعلان عن مفارقة الذات لتاريخها، فهو إبداع وفق مثال هو "المثال الغربي" لا قُدرة لنا على إثبات أصالته في الوجدان والتكوين التاريخي لهذه الأمم التي ما زالت تُعاني من ضغط الصراع بين بعدين، هما: البعد التاريخي الأصيل "الدين"، وبعد الحضارة الغربية الجارف "العلمنة".

عن مشاكل الإنسان الشرقي
عن مشاكل الإنسان الشرقي

ولذلك نجد هناك بعض قبول وشيوع لفكرة "العلمنة" هذه في مُجتمعاتنا ببعدها القومي أو الأممي الشمولي "التوتاليتاري" الذي يُعيد للأذهان الراكسة فيها عوالم النقاء العرقي وطاقاته المُضمرة في الصراع الإثني، لتجعل بعضها من القومية أو الدين "سياجاً دوغمائياً" بعبارة محمد أركون بين الأجناس. فإن غاب الدين كنظام اجتماعي نجد حضور "الإنسان الساحر" "الغائر في الخرافة" هو الذي ينهض من بين أنقاض الدين لكي يُلغي بحُنقه المُدمر "الإنسان الصانع" بعبارة شايغان.

وتلك من مشاكل الإنسان الشرقي الذي تمكنت منه الأيديولوجيا وطغت بحضورها الآسر على عقله، فغيبته، وجعلته أسير مقولاتها الدوغمائية ومُسلماتها الغيبية القائمة على الاعتقاد بمقدماتها على أنها حقائق قبلية من دون أن يُخامره شك في مدى صحتها تجريبياً. إنها وعي زائف بعبارة الماركسيين، لأن كل رؤاها مُقدمات ونتائج إنما هي مُسلمات لا عقلانية، لا ارتباط لها بعوالم الاستنباط والاستقراء، إنما هي ترتبط بعوالم "التعصب" الذي لا معرفة فيه سوى معرفة الذات ونُكران لحضور الآخر، وكل ما فيها من أفكار تبدو أنها "واضحة ومُتميزة" بعبارة ديكارت، إنما هي من قبيل المنطق الحُلمي لا المنطق العلمي. ولذلك تجد أنها أكثر قُرباً من الأسطورة واليوتوبيا بعبارة كارل مانهايم، مُهمتها تدجين العقل وتعليمه إتقان فن الإصغاء والتلقي السلبي للمعرفة بطابعها العقائدي المبني على الإيمان لا التعقل الذي يسعى من خلاله الأيديولوجيون إلى التماثل والتطابق، وإلغاء الاختلاف بعبارة عبدالله إبراهيم في كتابه "المُطابقة والاختلاف" التي يسعى من خلاله المؤدلجون "إلى "مثلنة" الجماعة و"أبلسة" الخصم" كما يقول شايغان في كتابه "ما الثورة الدينية"(220).

إنه نزوع الأيديولوجيا نحو "المُماهاة" كما يرى شايغان، تُلغى فيه تحولات الزمان، تجعل من الزمان مكاناً ثابتاً لا حركة فيه، أو مكان لا تُعده الحركة في حال قلبنا لتعريف أرسطو له. إنه فكر لا تاريخي، يتمركز حول الأنا بنزعة "أنوية" بعبارة علي الوردي، هي فكر مُنغلق على نفسه و"دوغمائي".

إن الأيديولوجيا كما يرى شايغان تقع "عند تخوم الوعي واللاوعي، فهي تستمد مقولاتها السحرية اللَاعقلانية من الوظيفة الرمزية للاَشعور، وتستمد جهازها العقلي من كونها تعتمد كأداة على عقل هو شكلي النزعة ومشوه" (ما الثورة الدينية/224). وهي بالنتيجة "فكر مشحون بالعاطفة" "يُبشر باكتمال الوهم".

فقدان الوعي بالهوية الإنسانية
فقدان الوعي بالهوية الإنسانية

ولم يستثن شايغان من النقد "العقل الأداتي" "التقني" الذي صير العقل العلمي أسيراً للتقنية ومرتهناً بها، مُتفقاً برؤيته هذه مع ما ذهب إليه أصحاب مدرسة "فرانكفورت": ماركوز وهابرماس وهوركهايمر، وسعيهم لنقد فكرة مركزية الغرب ونقدهم للتماهي مع القول بمركزية "العقل" وتغييب تنوعات الروح الإنساني الذي أُختزل كله بمركزية العلم وغلبة التقنية على جوانب الإبداع الإنساني الأخرى في الفنون، فصيروا الإنسان ببعد واحد، فكمتب ماركوز كتابه المعروف "الإنسان ذو البعد الواحد"، ومحاولته نقد "المجتمع الصناعي" ونقد دور المعرفة التكنولوجية في تنميط الوعي البشري، وجعله عبداً وأسيراً لتحولات التقنية. حتى كدنا نفقد الوعي بالهوية الإنسانية عموماً من فرط تماهينا مع التصور المركزي الغربي لها على أنها هوية عقلية "تقنية".

إنها "أوهام الهوية" كما تعرض لها في كتابه الموسوم بهذا العنوان، والتي تمركز الغرب حول بناء عقلي لها مُغاير لتمركز الشرق وتصوراته السحرية لها.

كتابه هذا "أوهام الهوية" إنما هو توصيف لهويته الضائعة بين تجليات عقله الديني ونزعته التغريبية التي شكلت هوية وعيه المُتجدد بهموم مُجتمعه وحياته المعرفية التي تجلت بأبهى صورة لها حين دراسته في فرنسا، بلاد اللائكية التي نهل منها جُل معارفه النقدية وتحولاته الإبستيمولوجية في التخلص من هيمنة الأيديولوجيا. وضياع التوصيف الدقيق والتصنيف الحصيف عنده لفك الخلط بين التغريب والعلمنة، وتماهيه مع نزعة التغريب ونقده المُستفيض لنزعة التريث من دون الكشف الواضح والجلي لقرائه وتوطينهم في أي من الضفتين، أو تجاوزهما في إبداع واختراق لكل البنى التقليدية والتغريبية، فبقينا نحن قارئيه نهيم بين الجرفين ولا مرسى لنا.

لكن فضيلته تبقى وتدوم بفضل فيض عقله الموسوعي الذي نهل من جرفيَ المعرفة، شرقية أكانت أم غربية عبر سعيه الجاد للبحث عن مُشتركات الحضارة الكونية ببُعدها الأنسني.

15