داريوش شايغان يغامر في "الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية "

الأحد 2014/02/02
رأس تمثال ضخم في وادي النمرود بتركيا

يطلق المفكر داريوش شايغان في مبحثه الهام «الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية» كثيراً من الأسئلة التي يروم عبرها إيجاد صيغ إحياء التراث وبث روح الحداثة والمعاصرة فيه.

تكوّن أسئلته مفاتيح لمناقشة واستعراض أفكار الكثير من المفكرين. ومن تلك الأسئلة: هل الهيمنة الحاسمة للتفكير الغربي تساعد على التواصل بين الحضارات؟ لماذا لا يجد البون الفاصل بين التدين والفلسفة وبين الروح والجسم ما يعادله في الحضارات الآسيوية الكبرى؟ ولماذا لم يظهر العلم الحديث بمعناه الغربي في هذه الحضارات إطلاقاً؟ ما هي الفوارق الأساسية بين مقولات الرؤية “الأساطيرية” التي تمثل العنصر السائد في التفكير الآسيوي والتفكير الفلسفي في العالم الغربي؟ ينقسم الكتاب إلى قسمين، يحوي القسم الأول أربع محاضرات: “التحدي المعاصر والهوية الثقافية”، “أصنام الذهن والذاكرة الأزلية”، “التفكير الهندي والعلم الغربي”، “صورة عالم أو مقال في الفن الإيراني”. أما القسم الثاني المعنون بالرؤية الأساطيرية فيشتمل على خمسة فصول هي: “خصائص الميت”. “الركن الأساسي في الرؤية الأساطيرية”. “الميت والآركتيب”. “الميت واللوغوس والذاكرة الأزلية”. “الميت والكلام الخلاق”.


التحدي المعاصر


يقدم شايغان إجاباته على شكل تحليلات يريدها أن تكون منطلقاً لانبثاق تفكير علمي تاريخي في القضايا التي يستعرضها. وربما تحوي محاضراته زبدة آرائه التي يقدمها بأكثر من صيغة.

في محاضرته «التحدي المعاصر والهوية الثقافية»، يجد الكاتب أن الاحتكاكات والصدامات والحوارات والنهضات التي تتفتح وتزدهر داخل إحدى الحضارات، كانت بالنسبة إلى صانعيها والمتأثرين بها ومستلهميها والمستفيدين منها في حكم التحدي، وكان ذلك سبباً في حريتهم وازدهارهم وتفعيل طاقاتهم الخلاقة. يحذر من قطبَي معادلة مدمرة، وهي تفاقم الهيمنة والسلطوية للممارسات العدوانية والاستعمار، حيث تتجلى للعيان محاولات دفاعية منفعلة تتبدى على صورة شلل ذهني، ويشير إلى أن مثل هذا الواقع لا يترك مجالاً للحوار والتفاهم، ويظل كل ما هنالك عبارة عن تخريب للحضارات المحلية التي لن يبقى منها سوى قشور فلكلورية.

يقصد بالتحدي المعاصر نقطة تقاطع العديد من المفاهيم الأساسية التي زادت منذ انبثاقها وإلى اليوم مساحة تطور معين، ولذا فهي في تطورها تصوغ ماهية التفكير الغربي. حيث أن بلوغ هذه المفاهيم أقصى أشكالها تحولها في نطاق التحدي المعاصر، وتغدو راهناً في حكم المفاهيم شديدة التخصص، ويكون هذا أمراً مستنبطاً بسهولة من الدراسة التاريخية للأفكار الغالبة، وكذلك من رصد التحولات التي شهدتها تلك المفاهيم بين ثنايا طروحات كبار المفكرين على امتداد القرون. ومن جهة أخرى، بالنظر للبعد التاريخي لهذه التطورات، تمكن ملاحظة كيف أن التيار المذكور تحرك باتجاه فرض العلمنة على العالم وسلخه عن تلك النشأة الروحية والرمزية واختزال الإنسان في دوافع وغرائز.

يعرّج على تصورات الفلاسفة وتقييدهم للدوافع التي تحدد مسار التاريخ من وجهة نظرهم، فحسب فرويد تكون الميول الجنسية أو مبدأ اللذة هي الدوافع المحركة لمسار التاريخ، وبحسب شوبنهاور ونيتشه وإدلر تكون إرادة القوة هي الأساس، أما حسب ماركس فإنها تكون نزعات إنتاج وبالتالي عوامل إنتاج تتفرع عن غريزة التغذية بأهم معانيها.

كما يركز على التصورات الدينية التي تحلل العالم من وجهة نظرها والتي تكون حقائق مطلقة لأتباع الديانات.

يؤكد شايغان أن الحضارات الآسيوية مكثت زمناً طويلاً خارج سياق التحولات الكبرى، ولكن مع مطلع العصر الجديد والاستعمار المنظم للبلدان الخاضعة لسيطرة التقنية الغربية بات من المؤكد أن هذا السياق التاريخي لا رجعة فيه وأن الحوافز التي تدفعه إلى الأمام غالباً هي نظام المنفعة والربح وليس التعاطي الروحي بين الحضارات. ويرى كذلك أن التاريخ العالمي منذ ذلك الحين يغدو ملكاً عالمياً يشارك فيه الجميع بالضرورة، وإن كان دور البعض يقتصر على تفاصيل صغيرة أو يظل متلقياً دون امتلاك متاريس تحميه حيال الاعتداءات المتكررة على خصوصيته.

كما يؤكد كذلك على أن في التحدي المعاصر المواجَه توجد كافة الأفكار التي تعد الطاقة المحركة للحضارة الغربية: من مفهوم إرادة القوة إلى التفكير التقني والتجريبي الهادف إلى غايات علمية، ومفهوم حركة التاريخ، وصولاً إلى مفهوم الإنسان المختزل إلى دوافعه ومحفزاته. ويجد في المنحى الاختزالي تضييقاً للأبعاد المعنوية للفكر الإنساني، ويحذر من خطورة التعميم. ويعتبر أن أية حضارة وأية فكرة للعالم هي هيئة تُشكل أجزاؤها كلاً عضوياً منظماً.

ويؤكد أن الأوصار البنيوية والترابطات الشكلية المعمقة في شتى جوانب الحضارة هي التي تحدد رؤية الإنسان والمقولات الموضعية الزمانية والمكانية والمختصرة، ومجمل جوانب الثقافة والفن. يختصر التحدي المعاصر بمعنى أننا عرضة لخطر تغير علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة، وأن هذا التحدي لن يساعد في حوار الحضارات، بل يعتبره بمثابة نسف للحضارات وإذابة لها في حضارات أمست عالمية شاملة. ويشير إلى حلم إيجاد بوادر مصالحة بين سلوك السامورائيين النبيل والعنف الاقتصادي، وذلك حيثما تتفعل الطاقات الخلاقة لتغدو كل الأحوال، حتى أكثرها غرابة، ممكنة الانبثاق والظهور.

أصنام الذهن محصورة في أصنام القبيلة..


تناغم ومصالحة؟


يجدد شايغان أسئلته التي يطلقها بصيغ مختلفة: هل بالإمكان إقامة تناغم أو مصالحة بين التحدي المعاصر وأسلوب نظرنا وتصورنا للعالم..؟ وهل بالإمكان المصالحة بين التقنية والتراث وإنقاذ الذاكرة القومية..؟ ينوّه إلى جانب يراه مدهشاً وغريباً في الوقت نفسه وهو أن التفكير الحديث يبدأ بتحدّي الذاكرة عند الإنسان. حينما هاجم فرانسيس بيكون أصنام الذهن وأدانها جميعاً تحت شعار المعرفة التجريبية، فقد عبّر في الحقيقة عن نزعة انبثقت في القرن الثالث عشر، وكان أمثال روجر بايكون وآلبرتس الكبير متسرعين في تكريسها، وقام أصحاب التسمية بتمهيد الأرضية لما كان في النهضة بمثابة الأساس والبداية للعهد الجديد. ويرى أن لأصنام بيكون معادلاتها في كل تراث، أي في الذاكرة الأزلية التي يرثها الإنسان عن أسلافه ويبقى وفياً لها كعهد مقدس.


فكر جديد

يرى شايغان أن ما يسميه بيكون بأصنام الذهن ويشجبه هو في الفكر الشرقي أمانة تبقى مصونة في الذاكرة القومية، ويحاول مفكرو الشرق تحري أساس الفكر في غمرة العلاقة بتلك الأمانة وفي استذكار الرسالة المضمرة فيها، ذلك أن الانقطاع عن مصدر الذاكرة القومية يمثل انقطاعاً عن الجذور، وبالتالي اغتراباً يقذف صاحبه إلى هاوية العدم. ويرى أن هذه تجربة عاشها الفكر الغربي بأقصى درجاتها. وأنه من هنا كانت أصنام الذهن بالنسبة إلى بيكون الوجه السلبي لتلك الذاكرة الأزلية، والعلم بالنسبة إليه هو نسف تلك الأصنام واتخاذ منهج بحثي جديد لا يتوكأ على غير التجربة. حيث أن حصيلة الفكر الجديد تكون في بروز إيديولوجيا جديدة تنقلب بسبب منهج اختزال الحقيقة إلى إحدى حوافز النفس الإنسانية، وإلى أصنام جديدة توزع عالمنا المضطرب إلى آلاف الجبهات المتصارعة.

وأصنام الذهن بحسب فرضية بيكون محصورة في أصنام القبيلة التي هي المعتقدات الموجودة في ذهن الإنسان والكامنة في قوميته، وأصنام الكهف والتي هي تلك المعتقدات الخاصة بالفرد. وأصنام السوق هي تلك التي تنحتها معاشرة الناس لبعضهم بعضاً وعلاقاتهم فيما بينهم، ولا سيما العلاقات الشفوية المباشرة. وأخيراً أصنام المسرح وهي عبارة عن النظم الفلسفية الموروثة عن الماضي. ويفسر سعي بيكون وثورته لتحطيم تلك الأصنام كثورة على الفكر التقليدي.

أما شايغان فيرى في تلك الأصنام حالة مختلفة عن تفسير بيكون لها، إذ أن أصنام القبيلة عنده تعكس تراث قوم وأمانة تاريخية تتوارثها الأجيال. وتكون الأصنام الفردية إشارة إلى ميول الأفراد وسلوكهم المتماشي في المجتمع مع القيم الروحية والجماعية لذلك المجتمع. وتكون أصنام السوق ناتجة عن الأخطاء المستترة في الكلام والمشافهة وأن الكلام يفقد أثره السحري حينما ينقطع الفكر عن جذره الأزلي، أي عندما يتحول إلى لغة محاورة يومية بعيداً عن تداعيات الذاكرة. أما أصنام المسرح التي تشمل المنظومات الفلسفية الكبرى، لا تكون مقاطعات فكرية مستقلة، فالمنظومات الفكرية تكتسب استقلالها حينما تُختزل الفلسفة إلى علم إنسان ويبدأ عصر تصور العالم. أصنام الذهن التي تطلّع بيكون إلى هدمها تحولت، في غمرة تطورات الفكر الغربي وبسبب التفكيك الذي كرّسه بيكون نفسه بين العلم النظري والعملي فمهّد الطريق لظهور التفكير التقني، إلى إيديولوجيا جديدة. ويرى أن أصنام الذهن إن كانت تشكل في الماضي ذاكرة أزلية ومعتقدات قومية غابرة فقد تم اختزالها بفعل انقلاب العلاقة بين النظرية والممارسة إلى أصنام أقوى وأقدر صنعت من العلم ديناً جديداً، وشتتت المعرفة الإنسانية المتّسمة بالاتصال والتماسك سابقاً في غبار هائم من المذاهب والمسالك، ويخلص إلى نتيجة مفادها أن الإنسان الكامل الذي كان يوماً ما قيمة سامية أضحى محض فكرة متوحدة، دوافعه الداخلية هي التي تحرك التاريخ، وعقله المتواضع هو الذي يؤسس لكل معرفة وحقيقة. يستنتج شايغان أن تطرف الفكر التقني أوجد وعياً وصحوة في العالم الغربي، ووضع مسار الفكر المعاصر باتجاه جديد، ويرى أن كثيراً من المفكرين الغربيين يتحدثون اليوم عن الاغتراب والانقطاع عن الجذور ومعضلات المجتمعات المتقدمة. ويفترض بدوره الوفاء للذاكرة الأزلية عبر استعادة الرسالة الكامنة فيها من خلال التذكر والتفكير الأصيل.

يُشار إلى أن داريوش شايغان مفكر إيراني يكتب في الفكر والفلسفة، ولد عام 1935، وهو تلميذ المستشرق هنري كوربان، نال دكتوراه دولة في الهندوسية والصوفية، أستاذ جامعي للفلسفة المقارنة، مدير المركز الإيراني للدراسات الحضارية، ومدير معهد الدراسات الإسماعلية في باريس.

14