دار الإفتاء المصرية تحارب المتطرفين بالرسوم المتحركة

ساخرون على الشبكات الاجتماعية يرون أنه من الصعب مواجهة التطرف بالرد عليها بالتقنيات التكنولوجية، في ظل وجود علماء دين ورجال فتوى يؤمنون بأفكارهم وينشرونها بين الناس.
الاثنين 2018/11/19
من يصلح كل الخطاب الديني

القاهرة - لجأت دار الإفتاء المصرية إلى تكتيك جديد لمواجهة الأفكار المتطرفة، من خلال استحداث وحدة للفتاوى الصوتية القصيرة المصحوبة بالرسوم المتحركة، المعروفة باسم “موشن غرافيك”، للرد على المتشددين بطريقة سهلة وجذابة، واستقطاب أكبر عدد من الجمهور للاطلاع عليها.

تعتمد الدار في استراتيجيتها الجديدة على مخاطبة الصغار والشباب الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، بحسبانهم من أكثر الفئات التي تستهدفها التنظيمات المتطرفة، ويتم تقديم مادة إعلامية بقالب تكنولوجي معاصر.

وقالت دار الإفتاء إن وحدة الرسوم المتحركة تعمل على عرض الأفكار المغلوطة التي ترددها جماعات الظلام ثم الرد عليها ودحضها بطريقة ميسرة عن طريق تقديم المعلومات والفهم الصحيح عبر تقنيات حديثة تواكب العصر.

وتعتمد الفكرة على استخدام رسوم مصحوبة بصوت امرأة تتحدث بلغة عامية، وتوضح الحقائق بالرد المباشر على كلام المتطرفين بعبارات مثل التي يعلّم بها الآباء والأمهات أبناءهم، وهي طريقة أقرب إلى الجلسات الوديّة لتصل المعلومة بسهولة.

ويمثل الاعتماد على الصوت النسائي تحولا في نظرة دار الإفتاء للمرأة، ويبدو ذلك رسالة للتيار السلفي الذي يتمسك شيوخه بإصدار فتاوى متشددة تستهدف النساء وتعتبر أصواتهن “عورة”.

وركزت التجربة الأولى لتقنية الرسوم المتحركة على دحض الفتاوى المتعلقة بتحريم الاحتفال بالمولد النبوي، ونشرت دار الإفتاء على حسابها بفيسبوك، مقطع فيديو قصير مدته 38 ثانية، اعتمد على الاستعانة برسوم لأفراد أسرة يهنئون بعضهم بالمناسبة، ويتبادلون الحلوى وملامح البهجة على وجوههم.

وكان في الخلفية صوت نسائي ممزوج بموسيقى هادئة، يقول إن “مظاهر الاحتفال شرعية”، ثم تختفي صورة البهجة، ويأتي بعدها رسم لشخصين يرتديان الجلباب الأبيض، ويطلقان لحيتيهما، وهنا يسمع المشاهد عبارة “لا تسمع كلام المتشدد الذي كان منهجه في الحياة تحريم الطيبات التي أحلها الله”

مشكلة المواطنين مع المؤسسات الدينية بمصر تكمن أن الناس يتعاملون معها على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءا من السلطة ما أفقدها مصداقيتها.

وتحمل تقنية الرسوم المتحركة نظرة مغايرة من جانب دار الإفتاء المصرية لأصحاب اللحى، بعدما قدمتهم في صورة المتشددين في الرأي والعقيدة والفكر، ما يوحي بأن استحداث التقنية يستهدف السلفيين بشكل أكبر.

وقال إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية، إن وحدة “الأنيميشن” الجديدة إحدى الطرق المبتكرة والوسائل الجذابة والفعالة التي تحول دون التمدد الفكري لتيارات الإرهاب التي تتخذ من الفتوى سلاحا فتاكا لتنفيذ أجندات خارجية تسعى إلى التخريب.

وتختص وحدة “الأنيميشن” بإنتاج أفلام رسوم متحركة لبلورة ردود قصيرة على دعاة التطرف والإرهاب في قوالب حديثة تمكنها من الوصول إلى شرائح متعددة في المجتمع، وترد على الدعاية المضللة من جانب الجماعات المتطرفة التي تنشط في التكنولوجيا والتصوير.

ورأى نشأت زارع كبير أئمة وزارة الأوقاف، أن نشر التطرف عبر وسائل التكنولوجيا الخطر الأكبر على الأجيال الصاعدة، ما استدعى أن تكون المواجهة بالمثل، لأن الرسوم المتحركة من أسلحة تنظيم داعش لنشر أفكاره واستقطاب المزيد من الشباب.

واعتمد تنظيم داعش على إطلاق سلسلة حلقات من الرسوم المتحركة على حساباته المنتشرة على مواقع التواصل، مثل استراتيجية تبناها التنظيم لبث أفكاره وطروحاته عبر مقاطع كارتونية قصيرة، عوضا عن الأدوات التقليدية المعتادة التي تعتمد على بث مشاهد القتل.

وأضاف زارع لـ”العرب” أن ما يميز الاستعانة بالرسومات المتحركة أنها بسيطة وسهلة وتخاطب كل المستويات، لكنها موجهة للأجيال المغرمة بالتكنولوجيا، باعتبار أن مواقع التواصل ساحة جديدة للتنظيمات المتشددة للترويج لنفسها بطرق عصرية.

ويرى مراقبون أنه من الصعب مواجهة تشدد التيارات المتطرفة بالاكتفاء بالرد عليها بالتقنيات التكنولوجية، في ظل وجود علماء دين ورجال فتوى يؤمنون بأفكارهم وينشرونها بين الناس، لا سيما الذين يستخدمون مواقع التواصل.

ويدعم هؤلاء وجهة نظرهم بقرار وزارة الأوقاف، الأربعاء، بوقف إمام مسجد عن العمل وإحالته إلى التحقيق والمحاكمة، والتوصية بعزله من الوظيفة، لخروجه عن الفكر الوسطي الصحيح، ونشر عبارات على فيسبوك تحض على التطرف.

وتظل أزمة المؤسسات الدينية في مصر، أنها اعتادت الإعلان عن إمام مسجد أو عالم أزهري أو رجل فتوى متطرف، واتخاذ إجراءات ضده عن طريق الصدفة، أي بعد الإدلاء برأي ديني متشدد على مواقع التواصل الاجتماعي، دون التحرك لتطهير نفسها.

وتكمن مشكلة المواطنين مع المؤسسات الدينية بمصر، أن الناس يتعاملون معها على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءا من السلطة ما أفقدها مصداقيتها.

وظهرت تجليات هذه المسألة عبر تفاعل الجمهور على صفحات التواصل الاجتماعي وردود أفعالهم وكتاباتهم عقب إعلان دار الإفتاء عن استراتيجيتها. وكتب معلق “ليتهم يطهرون أنفسهم من المتطرفين أولا قبل خوض معركة إلكترونية مع المتشددين”.

19