دار الإفتاء المصرية تشرّع لزواج المُحلل للإصلاح بين المطلقين والأزهر يحرّمه

إبرام عقود الزواج على الورق فقط بنيّة الطلاق مستقبلا جريمة أسرية.
السبت 2021/02/13
الدعوة لتطوع المحللين إهانة لأجساد المطلقاتُ

لا تزال قضية زواج المحلل تثير الجدل في الشارع المصري إذ تباينت فيها المواقف بين المؤسسات الدينية في البلد حيث أجازتها دار الإفتاء وحرّمها الأزهر. ففي حين رأت دار الإفتاء أن الغاية من زواج المحلل هي إنقاذ الكيان الأسري من الانهيار بسبب الطلاق، رأت بعض الأسر المصرية أن دعوتها لتطوع المحللين قد تستخدم للمتاجرة بأجساد المطلقات، لأنها أباحت الزواج منهن بنية عودتهن لأزواجهن السابقين.

فجّرت فتوى دار الإفتاء المصرية حول زواج المُحلل قضية أسرية مسكوتا عنها، بعدما قالت إن تطوع شخص من نفسه ودون اشتراط وتزوج من مطلقة لتعود إلى زوجها الأول جائز شرعا، ويكون العقد صحيحا والشخص مأجور بذلك لقصده الإصلاح، وهو ما أحدث نقاشا محتدما.

وأمام تصاعد الجدل حول الفتوى، قال الأزهر إن زواج المُحلل إذا كان بغرض الاتفاق على الطلاق لتعود الزوجة إلى زوجها الأول فهو حرام شرعا، واضطرت الإفتاء إلى حذف فتواها من على حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، لكن ذلك لم يوقف حالة الشد والجذب بين المؤيدين والمعارضين.

وبغض النظر عن حذف الفتوى واستمرار فحواها، هناك آراء سابقة لها مازالت منشورة على موقع دار الإفتاء الرسمي منذ فترة تسير في نفس الرؤية تقريبا، ويبرر أنصارها بأنها تريد إنقاذ الكيان الأسري من الانهيار بسبب الطلاق، لكن بطريقة متزنة تضمن تطبيق الشرع وعدم وقوف الدين في وجه الرجل والمرأة اللذين شعرا بخطئهما وندما على فعلهما ويريدان العودة إلى بعضهما مرة أخرى.

عبير سليمان: عدم الوقوع في الطلاق الشفهي من الأساس يغني عن زواج المحلل
عبير سليمان: عدم الوقوع في الطلاق الشفهي من الأساس يغني عن زواج المحلل

ورأت أسر مصرية مختلفة مع الفتوى أن دعوتها لتطوع المُحللين قد تُستخدم للمتاجرة بأجساد المطلقات، لأنها أباحت الزواج منهن بنية عودتهن لأزواجهن السابقين، بغض النظر عن كون ذلك بموافقتهن أو بضغوط أسرية يتعرضن لها تحت ستار الاستقرار وإصلاح الخطأ الذي وقع فيه الرجال والحفاظ على مستقبل الأبناء وعدم تشريدهم بعد الانفصال الرسمي بين الآباء والأمهات.

ومعروف أن زواج المُحلل داخل الأسر المصرية يُحاط بالسرية ولا يعرف عنه سوى الفئات القريبة للغاية من الزوج ومطلقته، باعتبار أن الاستعانة برجل آخر لتمثيل دور الزوج الثاني، حتى تعود المرأة إلى شريكها الأول تحمل إهانة له، مع اشتراط الشرع أن يقوم المحلل بمعاشرة المرأة كعقاب لطليقها على استخفافه بالطلاق.

ورغم أنه لا توجد أرقام رسمية معلنة عن معدلات زواج المُحلل أو طريقة حل مشكلة عودة المطلقة لزوجها السابق، إلا أن هناك شواهد بسيطة تعكس تصرفات بعض الأسر، مثل القبض على أشخاص يعملون بمهنة “المُحلل” بمقابل مادي أو ضبط مأذونين شرعيين يقومون بتزوير عقود وهمية لزواج المُحلل للتحايل على الشرع والقانون.

ويُشترط قبل إبرام عقد زواج جديد بين الرجل ومطلقته أن يكون بحوزة المأذون عقد زواج ثان لذات المرأة تنفيذا لحكم الشرع، وبعض المأذونين يقومون بهذه المهمة بطريقة شكلية بغرض استكمال الأوراق الرسمية وليس أكثر، مقابل مبالغ مالية، وهؤلاء لديهم أشخاص على استعداد للمساعدة في المهمة ببطاقات هوياتهم الشخصية، ونشأت شبكات متخصصة في تحليل الزواج بعلاقات سرية تضفي شرعية قانونية.

وحسب رأي الأزهر، فإن هذا الزواج باطل وحرام شرعا ومناقض للقرآن والسنة النبوية، لأن معاشرة الزوج الثاني للمطلقة كي تعود إلى زوجها الأول شرط أساسي، وإبرام عقود زواج على الورق فقط بنية الطلاق في أسرع وقت جريمة أسرية لأن الزوجين لم يكملا الأركان الرئيسية للعودة بعد الطلاق الثالث، لكن الكثير من العائلات لا ترهن ترميم العلاقة بين المطلقين برأي الشرع ولا تعترف برؤية جهات الفتوى.

وترفض الكثير من المطلقات خوض تجربة الزواج المُحلل للعودة إلى أزواجهن السابقين، ومن هؤلاء شيماء.م صاحبة الأربعة والعشرين عاما، رغم محاولات أسرتها إرغامها على ذلك حفاظا على مستقبل طفلتها التي لم تكمل عامها الخامس، لكنها تؤمن بأن هذا الزواج ينتهك إنسانيتها ويجعلها تبيع جسدها لرجل لا ترغبه.

وقالت لـ”العرب” إنها تؤمن بأن زواج المُحلل في الأصل زواج متعة بمعنى أن الرجل الثاني الذي سوف تتزوجه يستمتع بها قبل تطليقها لتعود إلى زوجها السابق، وأفضل لها أن تحمل لقب مطلقة على أن تمارس علاقة مع شخص يحلل لها العودة إلى شريك حياتها السابق، وهناك الكثير من النساء يفكرن بنفس المنطق احتراما لكرامتهن وصورتهن بين الناس.

وما يفسر ارتفاع معدلات الطلاق الرسمي أن زواج المُحلل يكون في إطار ضيق، ولو حدث وأن عرف فهو يكون بعيدا عن التطبيق الحرفي، فمن النادر تقبل الزوج الشرقي معاشرة رجل آخر لمطلقته لتعود إليه بعد الطلقة الثالثة أو تقبل المرأة على نفسها ذلك.

وأكد أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، في تصريح لـ”العرب”، أن أصل الزواج في الإسلام الاستمرارية وليس أن يكون بنية الطلاق وعكس ذلك حرام ولعن الله المُحلل والمحلّل له.

Thumbnail

وقال “لا يمكن تشريع نكاح المحلل لو كان الهدف منه تطليق المرأة في أقرب وقت لتعود إلى زوجها السابق”، واشتراط حدوث المعاشرة بين الزوج الثاني والمطلقة يحمل عقابا للزوج الأول على استسهاله الطلاق واستغلاله ورقة لإذلال وقهر المرأة.

والمعضلة الحقيقية أن شريحة غير قليلة من الناس تعاملت مع شبهة إباحة التطوع للقيام بدور المُحلل، على أن ذلك يشجع البعض على التعامل مع الفكرة باعتبارها مهنة تجلب لأصحابها منافع مادية وجنسية، مع أنها محاولة للبحث عن مخرج وسطي لأزمة زيادة معدلات الطلاق وحاجة الكثير من الأزواج لمعالجة دينية بأقل الخسائر تعيدهم إلى العيش المشترك مرة أخرى بعد شعورهم بالتسرع في الانفصال.

وأوضحت عبير سليمان الناشطة النسائية والمتخصصة في العلاقات الأسرية أن اللغط الدائر حول زواج المحلل يمكن معالجته بسهولة من خلال التحلي بشجاعة استثنائية تقود إلى عدم وقوع بالطلاق الشفهي من الأساس، وهذه فرصة ثمينة لإنقاذ الأسر من التفكك أمام استسهال أغلب الرجال تطليق النساء لأسباب واهية والشعور بعدها بالندم من جانب الطرفين ثم يكتشفان أنهما بحاجة إلى مُحلل ليعودا إلى حياتهما الطبيعية مرة أخرى.

وأضافت أن الكثير من العلاقات الزوجية تهدمت لرفض الطرفين الاستعانة بمحلل والعرف المجتمعي والتقليد الأسري يرفضان ذلك، وهناك حالات لمطلقين أرادوا ترميم علاقاتهم وكان زواج المرأة من رجل ثان عائقا أمام عودتهم مرة أخرى، وصار حتميا على المؤسسات الدينية مراجعة موقفها من قضية الطلاق الشفهي واستبداله بالموثق، لأن الأخير يمنح الزوجين فرصة كاملة لمراجعة مواقفهما والتفكير بعناية لاتخاذ قرار لا رجعة فيه.

وما يثير استغراب المؤيدين لهذا الطرح أن دار الإفتاء المصرية اعترفت قبل أيام بأنها تتلقى شهريا أكثر من أربعة آلاف استفسار عن الطلاق من أزواج نطقوا بعبارة “أنتِ طالق”، لكنها لا تقر سوى بوقوع أربع أو خمس حالات فقط من هذا العدد بعد الاستماع إلى ظروف المشكلة التي وقعت بين الزوجين وفي أيّ سياق نطق الرجل بالكلمة.

وبذلك تصبح المؤسسة الدينية المعنية بشؤون الفتوى مقتنعة بأن الطلاق الشفهي “غالبا” لا يقع أو غير معترف بثبوته، ورغم ذلك تتمسك برفض الطلاق الموثق فيما يوحي بأنها ليست مستعدة لمواجهة المتشددين.

21