"دار وغاليري كلمات" نجم يضيء عتمة الأيام الشرق أوسطية

أهداف “مؤسسة كلمات للثقافة والفنون” لا تختلف كثيرا عن أهداف “دار وغاليري كلمات”، لكنها أكثر توسعا ونشاطا.
الثلاثاء 2019/06/11
عدنان الأحمد مؤسس الدار يجمع كل فناني العالم

منذ شهرين تمكّن عدنان الأحمد السوري المفتون بالفن والشغوف بالثقافة أن يبلور ويكمل تحقيق حلمه الذي بدأه منذ عشرين عاما في مدينته حلب تحت اسم “دار وغاليري كلمات”، ليفتتح في مدينة إسطنبول التركية وخلال شهر مايو من هذه السنة “مؤسسة كلمات للثقافة والفنون”.

ويخبرنا عدنان الأحمد عن بدايات “دار وغاليري كلمات” الأم، التي ولدت منها “مؤسسة كلمات للثقافة والفنون”، قائلا “بعد افتتاحها لفترة وجيزة انتقلت الدار إلى مكان أكثر اتساعا في نفس الحي التاريخي وعلى مقربة من محطة بغداد التاريخية في مدينة حلب، هناك تطورت وتمكّن حضورها لتصبح من أكثر المساحات نشاطا للّقاء والنقاش بين الفنّانين والمثقفين من كتّاب وشعراء ومسرحيين ومخرجين، كما استقبلت الصالة معارض لفنانين كُثر من العالم ومن مختلف المدن السورية، منهم أسعد عرابي وسعد يكن ونزار صابور وضياء العزاوي وخماسي حمص ونذير إسماعيل وسارة شما وعدنان عبدالرحمن وتمام عزام وفاروق محمد وهاني مظهر وصفوان داحول وآخرين.. وسرعان ما تحولت صالة العرض إلى حلقة وصل للمشهد الفني والثقافي في حلب”.

لكن الأمور لم تكمل تبلورها كما كان مخططا لها، ففي أوج انطلاقتها وظهورها على الساحة الفنية وحسن التقاطها لعصب الشارع التشكيلي السوري وما يرفده ويغنيه ويستحضره من مشاركات فنانين من العراق وفلسطين، اندلعت الأزمة السورية وتوسعّت وتشعّبت، ولم يكن من الغريب أن يأفل الحلم وتقفل الدار حتى أجل غير مُسمى.

ولكن هذا ما لم يحصل، فقد أدرك مؤسس الدار أنه أمام أحد أمرين؛ إما الانكفاء وإما “ضمّ” الصالة في حضنه والمُغامرة بالمُغادرة بها إلى حيث تُكتب لها حياة مُتجددة دون أن تكون مسلوخة عن أصولها و”مُحركاتها” العاطفية التي أوجدتها على الساحة في الجولة الأولى.

 فنون شرق أوسطية مشرقية الهوى ومفتوحة على العالم
 فنون شرق أوسطية مشرقية الهوى ومفتوحة على العالم

ولعدنان الأحمد كلمات مؤثرة تختصر ما جعله يحمل على كتفه “دار وغاليري كلمات” ويرحل عن مدينته المحبوبة إلى مدينة إسطنبول، يقول “حملت ما أملكه في الدار من لوحات ثمينة وكتب مطبوعة ومنشورات.. كان لا بد من إغلاق الدار، لا أملك الحق في التهاون مع ما أملكه من ذاكرة تشكيلية سورية، لذلك قرّرت متابعة مسيرة الدار في إسطنبول”.

وعن اختياره لإسطنبول من بين كل المدن يضيف صاحب الدار أنه جاء “انطلاقا من كون ثقافتها قريبة من الثقافة السورية، لاسيما أنّ جزءا كبيرا من ثقافة المدينة هو امتداد للحضارة العربية الإسلامية وثقافتها، ناهيك عن أنّ الأتراك منفتحون على جميع الثقافات العالمية، وتعدّ تركيا اليوم حلقة وصل بين الثقافتين الشرقية والغربية”.

تشبه النسخة المتطورة والمتوسعة من “دار وغاليري كلمات” في انبثاقها القصص الخرافية، لأنها من ناحية وليدة حلم قارب الهذيان في عالم قاتم يشكل فيه عدم الأمان وتتالي الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأهمية شبه الحصرية لدى الفرد، ومن ناحية أخرى لأنها نتاج مبادرة، لا بل مغامرة فردية ورغبة شخصية في المُساهمة الفاعلة والمُباشرة في تلقّف أمواج التشكيل الفني المُتصاعدة في دول كسوريا والعراق وفلسطين، وذلك على الرغم من وعي تام بالمصاعب الجمّة التي ستواجه هكذا مُبادرة، مبادرة لقّحها الشغف ورواها الأمل الشخصي بمستقبل أفضل لأهل الأرض العربية من خلال الفن والثقافة والفكر المُتنور.

أهداف “مؤسسة كلمات للثقافة والفنون” لا تختلف كثيرا عن أهداف “دار وغاليري كلمات”، لكنها أكثر توسعا ونشاطا، ويقول في ذلك الأحمد “الغاية منها هي تأمين هيكلية للعمل على توطيد مكانة الثقافة السورية على الساحة الثقافية التركية، وقد أثبتت إسطنبول العريقة  جدارتها في احتضان وبلورة الفنون التشكيلية.. كما تهدف المؤسسة إلى تقديم الدعم لمشاريع الفنانين السوريين الشباب والأتراك على السواء ومساعدتهم نحو بلوغ العالمية”.

صاحب المبادرة يسعى إلى التحليق كطائر نورس فوق النار والدخان وشتى أنواع الصعوبات التي يرزح تحتها الفن بشكل عام

المؤسسة التي افتتحها عدنان الأحمد في إسطنبول كامتداد عاطفي وشريان فني ضُخت فيه دماء الإبداع السوري أولا وتاليا دماء المبدعين الشرق أوسطيين، ما لبثت أن أصبحت واحدة من كبرى المؤسَّسات الثقافية في المدينة، وهي لم يمض على افتتاحها في ظهورها الجديد أكثر من شهرين، فخلفيتها التاريخية كانت كفيلة بأن تجعلها وليدة قوية العصب ومحطة لأنظار المهتمين.

وتدور في فلك المؤسسة جملة من المثقفين والمفكرين والصحافيين والفنانين الذين أدركوا أهمية المؤسسة، لاسيما في تطلعاتها المستقبلية وإصرارها على التحليق كطائر نورس مخضرم وشرق أوسطي فوق النار والدخان وشتى أنواع الصعوبات التي يرزح تحتها الإنسان والفن بشكل عام.

حول نشاطات وانشغالات المؤسّسة، يقول مؤسّسها إنّها تأخذ على عاتقها إضافة إلى تنظيم المعارض الفنية، المساهمة في “صناعة الفن من خلال تطوير آلياته عبر رؤيتها الحداثية والساعية للانفتاح وإنشاء جسور تواصل مع الفنون العالمية”.

هنيئا لنا بـ“مؤسسة كلمات للثقافة والفنون”، مؤسّسة تفرض ذاتها مساحة منعشة ومفتوحة كسماء إسطنبول، تكرس الأمل في نفوس الفنانين المنتمين قلبا إلى هذه المنطقة من العالم، ولأجل ذلك ربما يبدو مؤسّسها في مسيرة حياته كنورس من نوارس الشرق الأوسط.

غير أنه حرص على أن يتخذ له جناحين شديدي الوسع كاللذين تختّص بهما نوارس إسطنبول النزقة، وكيف لا وهو يتنقل مثلها فوق جسور فنية مختلفة كما تفعل نوارس إسطنبول حين تتخطى بثقة ذهابا وإيابا جسر مضيق البوسفور الذي يفصل إسطنبول الأوروبية عن إسطنبول الآسيوية؟

مثلها يودّ التحليق منفردا على مستويات ارتفاع مختلفة ليمعن النظر ويعقد الصلات ما بين فنون شرق أوسطية مشرقية الهوى ومفتوحة على العالم، ومثلها يُدرك أنه في صولاته وجولاته الموسمية سيكون عليه أن يصارع الريح ويتلقف الموج وأن يحنو على ضوء المنارة.

16