داعش احتلت الفضاء الافتراضي كما الواقع

السبت 2014/05/03
نداءات على مواقع التواصل الاجتماعي لنصرة الرقة

دمشق- السؤال: لولا الفضاء الافتراضي، ماذا كانت ستفعل داعش؟ من كان سيسمع صوتها؟ هي تحتلّ اليوم فقرة يومية من حياتك، شئت أم أبيت، لأنّها بدأت تأخذ حيزا واسعا في الفضاء الافتراضي، كما على أرض الواقع.

ما هذا الذي نقرأه عن سوريا؟ “إسلاميون” يقاتلون “إسلاميين” والأسد تحول إلى “أخفّ الضررين” والأولوية باتت “محاربة الإرهاب” إرهاب تنظيم القاعدة ممثلا خاصة في دولة العراق والشام (داعش) بالطبع وليس إرهاب بشار الأسد.

و”داعش” التي تحكُم وتقتل… تُغرّد متى تشاء، وتقول ما تشاء. إنها حريّة التعبير، فلا سبيل لإسكات صوت يعلو كلّ يوم في وسائل الإعلام الجديد؟ يذكر أن بعض أصوات التنظيم كفّر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، واتخذ آخرون قرارا بالبحث عن بديل… لكن امتداد الموقع، وقدرته على نقل أخبار التنظيم، حالا دون مقاطعته. وإلى جانب حالة التطرّف والتشدّد غير المسبوقة التي خلقتها داعش، فإنّ حراكها الإعلامي في الفضاء الافتراضي، استثناء كاريكاتوري.

أمام حسابات داعش على تويتر، عليك بالإيمان والشريعة، الجميع يستطيعون متابعتها، وهنا يكمن الخطر.. خصوصا إن كان المتابع يميل إلى التطرّف بالأساس، فـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية، وستمتد، وبها سيطبق شرع الله، وبها سترد الحقوق المغتصبة إلى المسلمين”.

بعض الأصوات في داعش كفرت تويتر، لكن امتداد الموقع، وقدرته على نقل أخبار التنظيم، حال دون مقاطعته

وتبرز حسابات غريبة لداعش بمسميّات مختلفة، تهدف إلى قيام دولة الخلافة، منها “أسود دولة الإسلام”، “صقور دولة الإسلام”، “أنصار دولة الإسلام”، “صفحة ولاية الشام”. وفي التعريف الوارد على حساب “دولة العراق والشام”، تسأل داعش، أين الأسود؟ وتضيف في تعريفها المقتضب “أما لهم من وثبة نحو الجهاد تفك قيد العانية؟”.

ويجب أن تحذر من استخدام التسمية الـ”طابو”، لأنك ستُجلد 70 جلدة في حال تجرأت واختصرت اسم “الدولة الإسلاميّة في العراق والشام”، ذلك أنّ الهيئة الشرعية وأمير المؤمنين (زعيم الجماعة) يرفضان التسمية. ولـ”داعش” وزارة إعلام أيضا، تصدر عنها بيانات، مثل “لا تحلقْ، تنقّبي”. الوزارة تابعة حكما للهيئة الشرعية التي تصدر الفتاوى.

وجود داعش ضمن المساحات الافتراضية له أهداف، فهي تعلّمك من خلال متابعة حساباتها وصفحاتها على مواقع الإعلام الجديد، كيف يفصل الرأس عن الجسد “برفق”. كما تقيم الاحتفالات وترفع الصور، فهذه صورة لبيت مال المسلمين وأخرى لديوان المظالم وهذه لتجمع نسوي وقد اتشحن بالسواد لا يظهر منهن شيء.

بروباغندا واضحة لقيم التطرّف. تهلّل الجماعة وتكبّر فوق الجثث في مقاطع فيديو دمويّة. تحتلّ هذه الحالة فقرة يومية من حياتك، شئت أم أبيت، لأنّها بدأت تأخذ حيزا واسعا في الفضاء الافتراضي، كما على أرض الواقع.

على تويتر أيضا، تستقبل المتطوّعين، تحرّض، تجاهد، ولا من يوقفها… ويجند تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) الأشخاص عبر تويتر أيضا ويدخلهم عن طريق سوريا، فهو يسعى إلى الحصول على دعم إسلامي شامل من خلال الترويج الدعائي لمهامه وبث تفاصيل عن المتطوعين الأجانب لإثارة “الحماس الجهادي”. إذن فتويتر وكالة حصرية لدولة المخابرات الداعشية، وهي المقر الوحيد في العالم لدولتهم الإسلامية الزنديقة، فما إن تفتحه حتى تطلعك مئات الشتائم القذرة.

وبالإضافة إلى “الحسابات الرسمية” هناك حسابات مناصرة لداعش مثل “شمرية العراق” و”منبر الجهاد الشامي” و”أنصار الدولة” و”ناصرة المجاهدين” و”أبو حمزة المهاجر”، و”أبو عمر الفاتح”، وغالبا ما تكون مرفقة بصورة الأصابع الأربعة، أي شعار رابعة العدوية، أو صورة الأب الروحي لتنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن.وطبعا، لا يمكن استثناء صورة العلم “القاعدي” الأسود الذي يختصر، بالشكل، الحالة الجهادية عموما على منصّات الإعلام الجديد.

ويعرّف أحد المناصرين بنفسه عبر حسابه على تويتر، قائلا “ينطِق الكَاتم فَيصمت الخائن وتنطق المفخَخة فَتصمتُ الصحوة، هكذا هي لغة الدولة الإسلامية في العراق والشام”.
لداعش وزارة إعلام، تصدر عنها بيانات، مثل "لا تحلق، تنقبي". الوزارة تابعة حكما للهيئة الشرعية التي تصدر الفتاوى

في مقابل أصوات داعش على تويتر هناك “الرقة تذبح بصمت” توصيف أليم اعتمده أهل مدينة الرقة السورية، على الرغم من أن القاتل معروف، ويتمثل في تنظيم داعش. مأساة الرقة باتت يومية، حيث يضيع دم القتيل، وما من وسيلة يملكها أهله سوى الحزن. ولنصرتها، أطلق نشطاء الرقة مؤخرا نداء على المواقع الاجتماعية خاصة لإنقاذها من داعش بعد أن كانت أول مدينة سورية تحررت من النظام.

وفي هذا السياق، يقول أبو إبراهيم الرقاوي الناشط وشاهد العيان “كل يوم يقتل أبناء الرقة في سجون تنظيم داعش، ويقوم هذا التنظيم بإعدام العشرات بشكل سري، وبقتل النشطاء وخطف الإعلاميين، حتى باتت الرقة أقرب إلى مقبرة منها إلى مدينة، مما دعا هؤلاء إلى هجرها. في حين اكتفى شبابها بمحاولة نقل الواقع وتسريب جرائم داعش للإعلام عبر اتصالات غاية في الصعوبة”. ويضيف “هدف حملتنا أن نطرد داعش من الرقة”.

لم يترك التنظيم وسيلة لإسكات سكان المدينة إلا واستعملها. وقد بدأت تلك الممارسات بالاعتقال والخطف. وقبل أيام قليلة رصدت داعش مبلغ 20 مليون ليرة سورية لمن يدلي بمعلومات عن الناشط “نهاد البدر”، الذي كان قد كشف شخصية أمير الرقة ومسؤولها الشرعي وبعض قادة التنظيم.

ومن المعلومات التي كشفها “نهاد البدر”، الناشط الذي وصل سعر المعلومة عنه إلى 20 مليون ليرة، أن داعش لديها “شرعي” لا يفقه في الدين شيئا، يطلق عليه اسم “أبو علي”، ويحمل بيده سيفا ويقوم بإصدار الأحكام على المعتقلين، كما يحكم بقطع الرأس على كل من يتم اعتقاله من الثوار.

كما كشف “نهاد” استهداف داعش لقادة كتائب الثوار واختطافهم. إلى ذلك، يقوم تنظيم داعش بتجنيد أطفال من الرقة، لا تتجاوز أعمارهم 18 عاما، في معسكرات تدريب، أنشأها في المدينة، وحمل أكبر معسكر اسم “أسامة بن لادن”.

ويتم في هذه المعسكرات، حسب الرقاوي، غسل أدمغة أولئك الأطفال، بما يتماشى مع سياساتهم، وذلك بعد اختطافهم من بيوتهم دون أن يستطيع الأهل تحريك ساكن أو حتى الاعتراض.

ولم تكتف داعش بخطف المعارضين لها، بل فرضت قوانينها على الناس، وضيقت الخناق على السكان، ففرضت النقاب وحرمت التبغ وجرمت المدخنين، كما فرضت عقوبات شديدة القسوة على كل مخالف لها، حتى إن عناصر التنظيم جلدوا الفتيات في المدراس وقطعوا أيدي أشخاص اتهموا بالسرقة وأحرقوا سيارات التبغ. كما عاقبوا كل من وجدت لديه سيجارة واحدة.

"الرقة تذبح بصمت" توصيف أليم اعتمده أهل مدينة الرقة السورية، على الرغم من أن القاتل معروف، ويتمثل في تنظيم داعش

ويقول نشطاء من الرقة إن المدينة مظلومة منذ 40 عاما، بعد أن اعتادت على أن تكون مهمشة، واليوم تقوم داعش بتهريب النفط السوري الموجود في الرقة إلى الحدود التركية والشمال السوري، وتسيطر على مقدرات المدينة الاقتصادية، وعلى معظم مصادر المواد الغذائية، في حين تم إهمال الخدمات والمرافق العامة، الأمر الذي دفع أغلب الأهالي إلى مغادرتها. ويقدر عدد أفراد التنظيم في الرقة بحوالي 8 آلاف شخص. ولا يبدو أن ثمة نهاية لممارسات التنظيم في المدينة الذي أحكم سيطرته عليها بشكل كلي.

وقامت داعش هذا الأسبوع بإعدام 10 أشخاص، بينهم طفلان في مدينة الرقة في دوار النعيم ودوار تل أبيض، وصلب التنظيم اثنين منهم في دوار النعيم في المدينة، وكتب على قطعة من الورق لفت حول الشابين المصلوبين “هذا قام بمحاربة المسلمين وفجر عبوة في هذا المكان”، في إشارة إلى التفجير الذي حصل منذ فترة في دوار النعيم.

وقامت داعش قبل أيام قليلة بهدم تمثال “أسد شيران” مقابل الباب الخلفي لحديقة الرشيد وسط المدينة، وهو تمثال يعود تاريخه إلى العهد الآشوري (744-727 ق.م ) كان موضوعا مع أسد آخر عند الباب الخلفي. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها داعش بتحطيم آثار ومزارات بحجة مخالفتها لشريعة الإسلام.

وقامت داعش مؤخرا بتحطيم العديد من الآثار والمزارات بحجة أنها أوثان تخالف شريعة الإسلام. كان التنظيم يحاول الحرص على عدم تصوير أفعاله وجرائمه في المدينة، ولكنه بدأ هو نفسه يصور تنفيذ أحكامه وينشرها على حساباته في تويتر.

18