داعش الأوروبي وحقبة ما بعد الديمقراطية الغربية

الأحد 2014/11/02
تنظيم "داعش" تمكن من جذب الآلاف من كافة أنحاء العالم

لم ينس العالم بعد، وقع الإعلان عن قانون باتريوت الأميركي، والذي يسمح باتخاذ كافة الإجراءات في مواجهة احتمال وجود خطر إرهابي يتهدد أمن الولايات المتحدة الأميركية، ويسمح للمخابرات الأميركية والجيش والشرطة الفيدرالية وكل مؤسسات الاتحاد، بالقيام بما يلزم دون الالتزام بأي قوانين دارجة، ولم ينس العالم بعد اللغة الصليبية التي تحدث بها الرئيس جورج بوش الابن وفريقه الرئاسي في الترويج لحربه على أفغانستان والعراق، ولم يتسن لأحد أن ينسى سجن قاعدة غوانتانامو الذي أصرّت الولايات المتحدة على إقامته خارج أراضيها في الجزيرة الكوبية المحتلة، ليكون خارج سيطرة الدستور الأميركي ويسمح فيه بممارسات التعذيب لاستخراج الأقوال بما فيه تمثيل الإغراق بالماء وغيره من الأساليب البدائية التي تنتمي لحقب قديمة في التاريخ.

ومع اندلاع النزاع في الشرق، ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وتشكيل تحالف دولي عسكري وسياسي لمواجهة خطره، أعلن البريطانيون عن اضطرارهم لإحياء قانون يعود إلى حقبة القرون الوسطى، كما جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند حين قال إن بلاده قد تستخدم أحد قوانين العصور الوسطى التي ترجع إلى العام 1351 لتوجيه اتهامات إلى بريطانيين ذهبوا إلى سوريا والعراق للقتال مع داعش، ويقول مسؤولو أمن إن نحو 500 بريطاني، يحاربون في العراق وسوريا لكن العدد الفعلي قد يكون أكثر بكثير، وقال هاموند إن :”أي بريطاني يعلن ولاءه للدولة الإسلامية يمكن أن يكون قد ارتكب جرما بموجب قانون الخيانة لعام 1351 الذي صدر في عهد الملك الإنكليزي ادوارد الثالث”، وقال النائب البرلماني المحافظ فيليب هولوبون إن استخدام هذا القانون الذي يجرّم من ارتكب جرائم حرب قد يكون مناسبا مع الجهاديين أكثر من قوانين مكافحة الإرهاب التي صدرت لاحقا، والعقوبة القصوى للخيانة في بريطانيا هي السجن مدى الحياة وظلت عقوبة هذه التهمة الإعدام حتى عام 1998.


استحضار الماضي


على أرض العراق وسوريا، انهارت الدولة الحديثة، بصورتها المعروفة على الأقل، لتحلّ محلها دولة الولي الفقيه، القادمة هي الأخرى من العالم القديم، مستحضرة الثأر لمقتل الحسين، ومطالبة بخلافة علي بن أبي طالب والأئمة من نسله، ومستعيدة ذاكرة الثأر مع شخصيات مضت وصارت عظامها مكاحل كما يقال في الأمثال الشعبية، وفي مناخ الثورات العربية، وبتدبير استخباراتي لم يعد خافياً، ظهرت “داعش” التي عملت هي الأخرى على إيقاظ الماضي كلّه، في لغتها، وفي الإعلان عن إعادة الخلافة الإسلامية، وخاتم النبوة وعادات وتقاليد قديمة، مثل عقوبات الرجم والصلب وقطع الرؤوس، واستعادت هي الأخرى لغة القرون الوسطى، وأنشأت دولة وفيها دواوين بدلاً عن الوزارات، وأزياء وهيئات لا تنتمي لعصرنا، وكسّرت الحدود التي عرفها العصر الحديث، ووضعها الغرب من قبل، لتعيد بناء فضاء جديدـ قديم، مبني على الغزو والفتح، أي أنها فعلت كل ما يلزم للتلاقي مع رياح أوروبا وأميركا الجديدة.

وفي أثناء ذلك، ما الذي كان يحدث على أرض القارة العجوز، والعالم الجديد، في ظل انتهاء الحرب الباردة، وصعود النموذج الغربي للديمقراطية، الذي تولت الولايات المتحدة نشره بالقوة في أصقاع الأرض، أحياناً، وبالمؤسسات والتبشير والدراسات أحياناً أخرى، بعد زوال القطبية من العالم، واختفاء المنظومة الاشتراكية، وبقاء الصين تنيناً متربصاً حتى الآن، اندفعت الديمقراطية الغربية، ابنة الرأسمالية لتعيش وحيدة على الكوكب، منهكة العالم بشركاته وإنسانه، فكان آخر ما شهده زمن ما قبل الربيع العربي، هو الأزمة الاقتصادية الكبرى التي أطاحت باقتصادات دول كبرى، لا يُعرف حتى هذه اللحظة كيف أنقذت نفسها.

يقول عالم السياسة والقانون الأميركي المتخصص في صياغة الدستور في جامعة جورج واشنطن براون: إن الديمقراطية في أميركا ليست هي الديمقراطية المذكورة في الدستور الأميركي، وليست هي الديمقراطية التي كانت حلماً يراود الأميركان، لأن مفهومها في أصله يقوم على اعتبار الحرية الفردية في الاختيار، ولكنها تحولت إلى ديمقراطية أحزاب، فأصبحت لا تعبر عن ضمير وتطلعات المواطن البسيط


عصر انهيار الأيديولوجيا


يرى الباحثون أن عهد الاهتمام بالطبقات الاجتماعية انتهى تماماً، وآن أوان التركيز على الشرائح الاجتماعية الطبقية، والجماعات الفرعية، والأقليات والأفراد، وتحول الاهتمام من الأحزاب السياسية العريضة بتنوعاتها الأيديولوجية المختلفة، والتي أثبتت الممارسة الفعلية في نظم ديمقراطية شتى أنها عجزت عن إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، وضاع التمايز في خطابها الأيديولوجي، بعد أن ذابت الفروق بين اليمين واليسار بسبب طغيان عصر العولمة وانهيار الحركات الأيديولوجية اليسارية وانهيار نظريات التخطيط الاقتصادي لحساب اقتصاديات السوق، مما أدى إلى صعود مؤسسات المجتمع المدني بأنماطها المتعددة والتي تركز على حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والثقافية بعيدًا عن شعارات الأيديولوجيات الكلية التي كانت تدعي - في ظل مزاعم احتكار الحقيقة المطلقة- حل مشكلات البشر، وقد أدى ذلك إلى ضعف الإيمان بالأحزاب السياسية باعتبارها ممثلة لمصالح الجماهير، ويمر العالم اليوم بمرحلة انتقال سياسية كبرى من الديمقراطية التقليدية بأحزابها السياسية المتنافسة إلى عصر ما بعد الديمقراطية، والذي لم تتضح معالمه بعد، مثلما انتقل العالم من عصر الحداثة إلى عصر ما بعد الحداثة وهو الأساس لعصر العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والفكرية.


عصر ما بعد الديمقراطية


بناء على تحليل كهذا، سبقه وتلاه الكثير من الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذا الشأن، وبانتهاء دور الأحزاب والتجمعات السياسية، وحلول مؤسسات المجتمع محلّها، وبقوة، فإن النظام الديمقراطي الغربي كلّه، سيتداعى تماماً، وليس غريباً أن ننظر داخل الولايات المتحدة الأميركية، لنسمع أصواتاً تنادي بعصر “ما بعد الديمقراطية”، تماماً كما حدث في الحداثة وما بعدها، لأن القضية بسهولة تكمن في الانكشاف على مشكلات المصطلح مفهوماً وتطبيقاً، يقول براون، عالم السياسة والقانون الأميركي المتخصص في صياغة الدستور في جامعة جورج واشنطن: “إن الديمقراطية في أميركا ليست هي الديمقراطية المذكورة في الدستور الأميركي، وليست هي الديمقراطية التي كانت حلماً يراود الأميركان، لأن مفهومها في أصله يقوم على اعتبار الحرية الفردية في الاختيار، ولكنها تحولت إلى ديمقراطية أحزاب، فأصبحت لا تعبر عن ضمير وتطلعات المواطن البسيط، بل تعبر عن تطلعات الأحزاب التي تتمحور حول أيديولوجياتها ومصالحها الخاصة حتى لو كانت على حساب الفرد والمجتمع″.


شباب أوروبا


هذا هو المناخ الذي يعيشه اليوم شباب أوروبيون وأميركيون، من مختلف الأديان والعقائد والأعراق، الذي يبحث عن مشروع ما، سواء في الأقراط التي تملأ الأجساد، أو في الوشوم، أو الرياضة، أو الرقص، ومن تلك المشاريع التي يبحث عنها الشباب الأوروبي، مسلماً كان أو مسيحياً أو يهودياً، مشروع الرفض، الذي يعبّر فيه هؤلاء عن إنكارهم لنمط الحياة التي يحيون، وهي لم تعد معبّرة عن تطلعاتهم وأحلامهم، وربما ليست الحاضن لميولهم، وحين يأتي مشروع مثل الجيش الأميركي ـ البريطاني الذي سيغزو العراق، فإن هؤلاء سيسارعون إلى التطوع فيه، لا سيما مع وجود إغراءات كبيرة في عرض الشركات التي أشرفت على تطويع العسكريين، والدخل المرتفع لهم، ولكن وبعد حين بدأت تظهر أعراض مرض حرب الخليج، وانهار المشروع مع عودة الجنود الأميركيين والبريطانيين دون أن يحققوا هدف حملتهم، فظهر مشروع “داعش”، الذي يرفض الجميع، والذي تلقفه أولئك الشباب ورأوا فيه صورة متألقة من صور الثورة، ذكرتهم بغيفارا الذي بحثت عنه السي آي إيه في كل مكان حتى وجدته وقتلته، وبات البغدادي بالنسبة إليهم مغرياً أيقونياً مثله مثل بقية الأيقونات التي ظهرت في الغرب، ولم يكن هذا الإغراء موجوداً في مشروع القاعدة، وأسامة بن لادن، فلم يسبقه تمهيد كافٍ مثل الذي يقوم به بشار الأسد ضد الشعب السوري، من قتل وتدمير وقصف بالكيميائي، وما تقوم به إيران والحكومة الطائفية في العراق بحق العرب السنة في الإقليم، مع سيل من الصور والأفلام والعصف الإخباري اليومي.


داعش مشروع عابر للأديان


تمكنت “داعش” من جذب الآلاف من كافة أنحاء العالم، من أبناء المهاجرين ومدن الصفيح، من المسلمين، ثم بدأت تجذب غير المسلمين، من جنسيات مختلفة، كان منهم

الفرنسيون والبريطانيون والبلجيكيون، كما روت التقارير عن رحلات يقوم بها آباء هؤلاء الشباب بحثاً عنهم، حيث يتتبع الآباء الأوروبيون أولادهم للعثور عليهم في منزل يجمع مقاتلين من جنسيات أوروبية مختلفة في بلدة سلوك في منطقة صحراوية قرب الرقة، على سبيل المثال، وبعد مفاوضات مع قادة التنظيم هناك سمحوا لهم بإجراء لقاء سريع، يقول والد لوكاس (البلجيكي): “سمحوا لي برؤيته لقرابة ساعة كان موجودا في منزل يضم مقاتلين من جنسيات متعددة، أحضره أحد المشرفين على المنزل، الظروف كانت صعبة، لم يكن الحديث معه سهلا كان هناك حراس معنا كل الوقت”، ويضيف “هو خائف للغاية من قضاء فترة طويلة في السجن في حال عودته”.

أما وسائل الإعلام الإسرائيلية فانشغلت بالحديث عن فتاة يهودية تحمل الجنسية الفرنسية، انضمت مؤخراً إلى تنظيم “داعش” وتحارب في صفوفه، لتكون اليهودية الوحيدة من بين آلاف المقاتلين الذين تدفقوا على التنظيم من مختلف أنحاء العالم، ويؤكد الفرنسيون وجود 100 فتاة وامرأة يحملن الجنسية الفرنسية ويقاتلن في صفوف “داعش”، كما تمكنت من تحديد هوياتهن، ليتبين أن من بينهن فتاة يهودية تدعى سارة وتبلغ من العمر 17 عاماً فقط، إلى جانب المئات من مواطني فرنسا يقاتلون الآن في سوريا والعراق في صفوف “داعش”، تجندهم شبكات تنشط على الإنترنت وتستهدف فئة الشباب والمراهقين لاستقطابهم من أجل السفر إلى سوريا والانضمام إلى مقاتلي “داعش”.

ونقلت وكالات الأنباء أن جدلاً واسعاً يدور في إسرائيل بشأن الفتاة اليهودية التي انضمت إلى “داعش”، حيث كشفت القناة الفرنسية الثانية أن الفتاة الفرنسية اليهودية خططت أيضاً لشن هجوم إرهابي ضد والدها ووالدتها، حيث يملكان متجراً في وسط العاصمة الفرنسية باريس، وتقول وسائل الإعلام الفرنسية إن الفتاة كانت تنتمي إلى عائلة يهودية متدينة، وإن الفتاة كانت متفوقة في دراستها قبل أن يتم إغراؤها حتى تسافر وحدها إلى سوريا وتنضم إلى تنظيم “داعش”.

تشهد أوروبا وأميركا اليوم تحولاً يمر بمرحلة انتقال سياسية كبرى من الديمقراطية التقليدية بأحزابها السياسية المتنافسة إلى عصر ما بعد الديمقراطية، والذي لم تتضح معالمه بعد، مثلما انتقل العالم من عصر الحداثة إلى عصر ما بعد الحداثة


الأعداد المتزايدة


تشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد الأوروبيين المنخرطين في صفوف “داعش” تجاوز ثلاثة آلاف شاب وشابة، يعملون اليوم في سوريا والعراق، ولكن تقارير مختلفة تؤكد أن الحكومات الغربية تحاول التقليل من أهمية العدد، بينما هو في الواقع أكبر من ذلك بكثير، حيث أن “كل الدول الأوروبية يخرج منها المجاهدون، مثل ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، إيرلندا، الدانمارك، السويد، إسبانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، وروسيا بالإضافة إلى الولايات المتحدة، كندا، أستراليا”. وفى تقرير لشبكة سى. إن. إن الإخبارية قال أحد الشباب الأوربيين وهو بريطاني إنه: “نشأ في أسرة متوسطة الحال، تعيش حياة كريمة، ويمتلك سيارة لكنه لا يستطيع ممارسة الإسلام، ويشعر بأن الفساد يحيط به من كل جانب. الشذوذ، الزنى، الاغتصاب، وبالتالي ذهب لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية”. أما في بريطانيا فقد كشفت الإحصاءات فيها أن خمسة بريطانيين يلتحقون بـ”داعش” كل أسبوع، إلا أن أغلب هؤلاء ينحدرون من أصول عربية وإسلامية. علاوة على بريطانيين وفرنسيين وألمان وصرب وأوروبيين آخرين هم لاتين وجرمان وسلاف وآريون، وغيرهم.


هوليوود داعش


يظهر “داعش” ككائن فريد، عنيف، ومنبتٍّ وغامض، يشبه كائنات هوليوود، المستذئبة والوحشية، مصاصي الدماء، والمجرمين، الذين يثيرون اهتمام الشباب الرافض في أوروبا وأميركا، وهو ما روّجت له الثقافة الأميركية ذاتها، في منتجها غير الحضاري الذي غزا العالم في عصر العولمة، حين توقف تلازم القوة مع الفكر، في زمن القطب الأميركي الوحيد.

ولا شك أن “داعش”، بصورته الظاهرة والسرية، والتي ستتكشف أكثر مع تطوّر المشروع وتطوّر الصراع معه وعليه ومن حوله، ستكون موجة أخرى من موجات الاهتمام العالمي للشباب، وستنتهي بانتهاء دورها الوظيفي المراد لها، ولكن حتى يحدث هذا سيكون دم كثير قد أريق، وحواضر عراقية وسورية قد دمّرت، وآثارٌ قد نهبت، وسكّان قد هجّروا، بعد أن تم نقل الخيال الأميركي من الشاشة إلى الواقع في أقصى ذروة من تجلياته التي احتفلت بالانحطاط والوحشية واحتضنتهما ووقفت مكتوفة اليدين تراقب نموّ الإرهاب والتطرّف الذي رعاه بشار الأسد وحسن نصر الله والمالكي ومن خلفهم إيران الولي الفقيه، وعلى الضفة الأخرى إسرائيل التي ما زالت تنادي بدولة دينية وسط كل هذه الفوضى.

7