داعش السنة وداعش الشيعة

الأربعاء 2016/10/26

في ما يشبه النكتة، يهدد عناصر الحسبة الداعشية في الموصل الناس هناك باستيراد عناصر الحسبة في الرقة إلى الموصل إذا لم يلتزموا بتطبيق “الشريعة” بالتي هي أحسن.

هذه تذكرني بواقعة شهدتها في دمشق في بدايات مارس 2011، حين تظاهر العشرات من السوريين أمام السفارة الليبية دعما للثورة الليبية، وعندما ضاق صدر العقيد وعساكره الذين كانوا يفوقوننا عددا، هددنا “تروحون من هون أو أفلت عليكم كتيبة شوايا”. والشوايا اسم غير دال يُطلق على سكان أرياف مدن الجزيرة السورية عموما، وخاصة سكان ريفي الرقة ودير الزور.

ما لم يقله داعش عن “انتصاراته” في العراق، قالته قوات الحشد الشعبي في “انتصاراتها” على التنظيم، بتفعيل الانتقامات من أحفاد يزيد. حدث ذلك في الفلوجة وفي الأنبار، وقدم عناصر من الحشد الدلائل على ذلك في ما لا يشبه “التسريب”، فالفيديوات التي انتشرت على القنوات التلفزيونية، وعلى موقع “يوتيوب”، تدل على قصد واضح يشير إلى أن من عذب ومن قتل يعرف ما يفعل.

أما “تنظيم الدولة الإسلامية” فينظر إلى اسم داعش أنه يحط من قدره ويعاقب من يتلفظ به، لكن تعبير داعش شاع من باب الاختصار، وأصبح مصطلحا. هو لا يخلو من دلالة التحقير للتنظيم، خاصة باستخدام تعبير “الدواعش” أو الدعشنة”،على الرغم من دعوة منطقية إلى تسمية التنظيم باسمه الذي اختاره هو نفسه، أي “الدولة الإسلامية”. هذا تفسير منطقي لا تلتزم به الميديات الملتزمة بأهداف وسياسات مختلفة ومتغيرة، حتى أن أكثرها حيادا يستخدم التعبير “تنظيم الدولة الإسلامية”، أو صيغة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وفي المقابل، وبالنظر إلى ولوغ إيران وميليشيات شيعية سافرة التوجه الطائفي في العراق وسوريا، يمكن تسمية تلك الميليشيات “داعش الشيعة”، إذ لا توجد تسميات لهذه مكافئة في الحقارة لاسم داعش، باستثناء “تهمة” الصفوية، المختلف فيها تاريخيا.

قلة من السنة تعتد بسنية داعش كسبب للانحياز إلى التنظيم، بينما لا يوجد ما يؤشر على تمثيل الميليشيات الشيعية للمذهب الشيعي، لولا رعونة السياسيين التي تخدع جمهور السنة

هذا، على الرغم من عدم وجود أدنى ميل ديني، أو سياسي، لدى السنة، للمس بأساس المذهب الشيعي بـ“تقديس آل البيت”، فللنبي محمد، وللإمام علي بن أبي طالب وأبنائه، مكانة محترمة في الوجدان السني لا تتيح لأي من متبعي المذاهب السنية مهاجمة الشيعة من هذا الباب، بينما لدى جمهور الشيعة، وأحيانا لدى علمائهم، ما يهاجمون به كل رموز السنة، ابتداء من الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصولا إلى معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، لدورهما في منازعة الإمام علي على الخلافة، والانتصار عليه عسكريا، ودورهما المثبت في قتل سبطي الرسول، الحسن بالسم، والحسين بالسيف.

يحفظ جمهور السنة قول الخليفة الأموي مروان بن الحكم، حين بُويع على الخلافة “هذا آخر عهدي بك”، مخاطبا نسخة من القرآن كانت بين يديه ووضعها جانبا.

قالها ابن الحكم في دلالة على أن السياسة لا تُدار بالاحتكام إلى الكتاب الإلهي، وأن سوس الناس يتم بإدارة المصالح الآنية، في زمان متغير ومكان متغير، فلكل زمان حكم، ولكل مكان حكم، في ما يتعلق بمصالح الناس. أما القرآن والإيمان، فشأن شخصي يعتمد على الفرد في أي مجتمع، وأي ديانة.

هذا في مقابل احتجاج الروايات بورع الإمام علي والإمام الحسين، وأحقيته بالخلافة بناء على القرابة الوثيقة مع النبي محمد، كتدارك للخطأ الذي حرم الإمام علي من الخلافة بعد وفاة الرسول.

على أرض الواقع، داعش السنة، وداعش الشيعة، وجهان لعملة واحدة، كونهما يريدان إعادة معركة على السلطة إلى أصولها الأولى بإلباسها قناعا دينيا، على الرغم من اللبوس المادي للمعركة القديمة منذ بدايتها، وصولا إلى استتباب الأمر لعشيرة الأمويين على حساب عشيرة الهاشميين في قريش قبل حوالي 1400 عام هجري.

قلة من السُنة تعتدُّ بسنية داعش كسبب للانحياز إلى التنظيم، بينما لا يوجد ما يؤشر على تمثيل الميليشيات الشيعية للمذهب الشيعي، لولا رعونة السياسيين التي تخدع عامة جمهور السنة، وآخرها ما اقترفه فم رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، أن اعتبر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضعت الأسس لتقدم جحافل الشيعة اليوم في معركة “قادمون يا نينوى”، ساحبا ذلك إلى “قادمون يا حلب”، “قادمون يا رقة”، بل “قادمون يا يمن”.

كلام المالكي لا يحتمل أي لبس في تفسيره، حتى لو بررنا أنه اليوم ليس في موقع القيادة. ولا سبب يُعفي الحكومة العراقية من عدم انتقاد المالكي، كونه نائبا في البرلمان العـراقي ورئيس أكبـر كتلة نيابية فيه. فكـلام المالكي يضع رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في موقف حرج، كونه قدم لمعركة “قادمون يا نينوى” بالتأكيد على أن ميليشيا الحشد الشعبي لن تدخل الموصل بعد طرد داعش منها، في محاولة لسد الذرائع أمام احتمال أن ترتكب هذه الميليشيات انتقامات طائفية من سنة الموصل المختطفين من داعش منذ أكثر من سنتين.

في النتيجة، الواقع يقول إن لكل زمان ومكان حسبة، فبعث عراق صدام، وبعث حافظ الأسد ووريثه، كانت لهما حسبتان، ولفوضى الحكومات العراقية في زمن ما بعد الاحتلال الأميركي حسبة جعلت أهالي الموصل، للوهلة الأولى، غير مبالين بذهاب السلطة المركزية وقدوم داعش. فهم أولا وأخيرا لا حول لهم ولا قوة أمام أي داعش السني، أو داعش الشيعة، أو داعش بغداد. والأمر نفسه ينسحب على الرقة، وكل سوريا، المبتلاة بداعش النظام منذ 46 سنة، أو دواعش بأقنعة متشابهة يريدون توريث الناس ثأرا عمره 14 قرنا.

كاتب وصحافي سوري

8