داعش العراق وحرب الفتاوى

الجمعة 2014/07/04

ما إن أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» دخوله الموصل شمال العراق، حتى بدأت فتاوى سنية بتحريم التعامل معه أو الانضمام للقتال في صفوفه، وأول فتوى كانت للشيخ أحمد الكبيسي الذي أوجب مقاتلة هذا التنظيم وقال إنه لا يمثل الإسلام الحقيقي.

ثم تبعتها فتوى السنة والجماعة في العراق التي أهابت بأهالي الموصل عدم التعامل مع هذا التنظيم، ووصفته بالإرهابي مستفيدة من القرار السعودي قبل أشهر في اعتبار هذا التنظيم ضمن لائحة الإرهاب.

وبعد البيان الأول للتنظيم من الموصل والذي أذاعه المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني الشامي وقال فيه «إن المعركة ستحسم في مدينتي النجف «الأشرك» وكربلاء «المنجسة»، ثارت حفيظة الشيعة في العراق فانبرى زعيم الطائفة الشيعية ومرجعها الأكبر علي السيستاني بفتوى الجهاد الكفائي للدفاع عن البلد والشعب في العراق ممن وصفهم بالإرهابيين، وكانت الفتوى تقصد بلا شك تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي دعا إلى تهديم جميع المراقد والمقامات لرموز الشيعة في العالم وأكثرها في العراق، كما دعا إلى العفو عن أهل السنة في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، لكن العدناني قال لأتباعه «ولا تأخذكم رأفة بالروافض» ويقصد الشيعة.

ما يلفت الانتباه أن فتوى السيستاني توجت كل الفتاوى التي سبقتها من سنة وشيعة وحازت على الاهتمام الكبير، ولا أحسب أن فتوى الأزهر بحرمة الانضمام والقتال مع تنظيم داعش والتي صدرت بعد ساعات من فتوى السيستاني، جاءت في وقت سيسمح ظرفه بأن يتم الاهتمام بها، ولكن المعطيات تشير إلى أنها فتوى للشباب المصريين الذين سيستفيدون من تقدم داعش وانتصاراتها في العراق والتطوع للجهاد.

وفي مراجعة لفتوى السيستاني فإنها لم تتضمن أي شق سياسي، وركزت على البلاد والشعب ولم تعط الأمر بالجهاد الكفائي للشيعة فقط، وإنما جاءت عامة ليعطي مفتيها السيستاني صورة العمومية للجميع، بيد أن الفتوى فُهمت على أنها فتوى شيعية خالصة على أساس أن من سيجعلها في حيز واقعها التطبيقي هم الشيعة فقط.

الفتوى تم استيفاؤها من قبل المؤسسة السياسية في العراق وفضائياتها التعبوية خلال هذه الفترة، وتم وضع صورة السيستاني أعلى الشاشات، الأمر الذي أردفه السيستاني بأمر لهذه الفضائيات برفع الصورة ووضع خريطة العراق بدلا منها، قاطعا نصف الطريق على هذه المؤسسة وأحزابها في توظيف اسمه لمآرب مرحلية.

هل جاءت الفتوى لتعمق الشحن الطائفي وتتناغم مع ما يبحث عنه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي لا يخفي عداءه للشيعة في كل العالم استمرارا لعقيدة مؤسس التنظيم، أبو مصعب الزرقاوي الذي كان يجيز قتل الشيعة وإن لم يذنبوا.

ومن نافلة القول أن الزرقاوي حينما طبق فتوى «الترس» الذي أجازها أبو محمد المقدسي الأردني، وكان مفتي تنظيم التوحيد والجهاد وهو الاسم الأول لتنظيم داعش، كان التطبيق محل خلاف بين رجال الإفتاء من الجماعات المتشددة، بسبب مقتل أكثر من خمسين تلميذا عراقيا كانوا يتجمعون عند جندي أميركي يوزع عليهم الحلوى وقتلهم انتحاري بتفجير نفسه بينهم، فقال الزرقاوي حينها إنهم في كل الأحوال روافض ويجوز قتلهم وإن كانوا تحت سن التكليف، الأمر الذي جعل المقدسي يسحب الفتوى فرد عليه الزرقاوي بجملته الشهيرة “لست شيخي” واستعان بأبي أنس الشامي مفتيا للتنظيم.

بالعودة إلى فتوى السيستاني وشبهة توقيتها فإنه أحس أن الحكومة متمردة على فتاواه وامتنع عن استقبال أي شخص منها خلال خمسة أعوام، وأحس أن الشعب يجب أن يأخذ المبادرة، وأن يلقي الكرة في ملعب النخب السنية المكفرة لعقيدة داعش التكفيرية.

تنطوي الفتوى على أمر خطير في الساحة العراقية حصرا، وهو أنها تشير إلى عدم ثقة السيستاني بدور الطبقة السياسية التي تقود البلاد، والمتمثلة في حزب الدعوة الذي لا يلزم أفراده بفتاوى السيستاني، وكان يتبع محمد حسين فضل الله وبعد وفاته بدأ يستعين بفتاوى محمود الشهروردي الإيراني، بذريعة أنه كان أقرب تلاميذ محمد باقر الصدر الذي استغل حزب الدعوة اسمه في أنه بارك التنظيم وأشرف على تأسيسه، وهذا الادعاء محل خلاف بين الفصائل الإسلامية الشيعية، بل إن قيادات من الرعيل الأول في الحزب قالت إن الصدر لم يتدخل في تأسيس الحزب لكنه لم يمنعه للظروف السياسية التي كانت تطبع المرحلة، بدليل أن الصدر لم يكتب منهجا لحزب الدعوة وبقي الحزب يستعين بنظريات حسن البنا وسيد قطب طيلة أعوام سعيه للوصول إلى السلطة.

ومن المثير اليوم أن يهتم حزب الدعوة والدعاة بفتوى السيستاني ليعبروا عن طريقة انتهازية في التعامل مع الأحداث، ولا ننسى أن السيستاني وجّه عبر متحدثه الرسمي بعدم انتخاب المالكي وإعادته للسلطة ووجوب تغيير المشهد السياسي في العراق، وقد أناط المهمة للشعب الأمر الذي دفع حزب الدعوة إلى تعبئة كل إمكانياته لتسقيط السيستاني سياسيا، وتم الحديث عن تهديدات لنجل السيستاني بقضايا فساد، لكن السيستاني لم يهتم بكل هذه التهديدات ووجه رديفه في المرجعية الشيعية الشيخ النجفي وظهر الأخير بفتوى عدم انتخاب المالكي، وكانت تلك أول فتوى في تاريخ الإفتاء الشيعي تنقل صوتا وصورة.

حينها فقد بعض الدعاة صوابهم ووصفوا النجفي بأنه من أدعياء المرجعية، وفي النهاية لم يلتزم الشيعة بتوجيهات المرجعية الشيعية وانتخبوا مصالحهم والوعود التي قدمها رجالات حزب الدعوة، وجاءت النتائج لصالح المالكي لينتصر على السيستاني في معركة الانتخابات.

رغم أن البعض يرى بأن فتوى السيستاني أسهمت في تقوية وضع المالكي، لكنها هدفت في حقيقتها إلى سحب البساط من تحته، ليعود السيستاني الأس الأعلى في المنعطفات الخطيرة في البلاد، كما حصل في أزمة النجف وعودته الشهيرة من لندن إلى العراق، وأنهى الأمر وفق ما كان يراه لا كما كان يبتغيه الأميركان ولا ما طمح له مقتدى الصدر. كما أحرجت الفتوى النخب السنية في العراق وخارجه في مواكبة ما أطلقته هذه النخب في رفضها للنهج الطائفي والتكفيري الذي ينتهجه تنظيم داعش، لكن بعض هذه النخب أسست مواقف إشكالية على هذه الفتوى بدعوى توقيتها وأهدافها في هذه المرحلة.

وأعتقد أن الفتاوى المضادة لفتوى السيستاني ستستمر، خصوصا وأن المرحلة تستوجب الانحياز بأشكال عدة لكنها ستتفق على شأن واحد وهو تغييب داعش عن المشهد.


كاتب وإعلامي عراقي

9