"داعش" الكتاب الأسود في تاريخ الإسلام والمسلمين

الاثنين 2014/11/03

استطاع الكاتب فادي وليد عاكوم في كتابه “داعش الكتاب الأسود” أن يقدم رؤية شاملة موثقة توثيقا دقيقا إلى حد بعيد لتنظيم “داعش” في العراق وسوريا حدد فيها ملامح وتفاصيل نشأته وتكوينه وأعماله وجرائمه وأساليب وسلوكيات تعاملاته الحياتية اليومية مع أهالي المناطق التي تقع تحت سيطرته، مزج فيها بين التحليل والرصد، حيث رد جذوره إلى تنظيم القاعدة، وقارن بين أسلوب الأصل والفرع، والفرع والفروع الأخرى كجبهة النصرة وأحرار الشام وغيرهما، وحقق آليات تطوره بدءا من علاقته بالثورة السورية والجيش الحر وانتقاله للتآمر مع النظام السوري، ثم استخداماته للتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة للترويج لنفسه، وانتهاء بتأمين مصادر تمويله سواء بالسيطرة على المناطق التي تقع فيها حقول آبار النفط أو بفرض إتاوات على السكان.

وتعرض للصراع بين “داعش” وجبهة النصرة وغيرهما من الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة ومحاولة كل منهما فرض سيطرته، وتجلياته الإعلامية والعسكرية، مؤكدا أن صراعهما يعد تحولا كبيرا في طريقة التعاطي بين التنظيمات المسلحة التي تنتهج الفكر الجهادي، خاصة أنها جميعا فروع تابعة لتنظيم القاعدة، وقد قاما بتبادل تدمير السلاح الثقيل من المناطق التي انسحبا منها كما مارسا عمليات الذبح والقتل والتصفية ضد بعضهما البعض، وقد تجلى هذا الصراع بشكل خاص في السيطرة على حقول النفط، نظرا إلى الصعوابات التي واجهها كلاهما بسبب قلة الموارد والآلات المطلوبة.

من جهة أخرى، أكد عاكوم أن قضية النفط ساعدت تنظيم “داعش” على زيادة انتشاره، وذلك من خلال اتفاقيات ثنائية بينه وبين تجار ومهربي النفط، كما أنها ساعدته “داعش” عسكريا.

في سياق آخر، حقق الكاتب في التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية عربية وغربية بشأن عمليات القتل والذبح الجماعية للمعارضين والمختلفين معه في الرأي، وطابقها مع فيديوهات بثها التنظيم أو سربها النشطاء والأهالي، ووقائع وشهادات حية لأفراد كانوا شهودا على الأحداث بعضهم لا يزال داخل مناطق السيطرة وبعضهم فر هاربا إلى بلدان عربية مجاورة، وكشف عن جوانب تتعلق بالأهداف الحقيقة للتنظيم وغيره من التنظيمات التي تدعي زورا وبهتانا السعي إلى نصرة الإسلام وتطبيق شريعته، والحقيقة أنها تستهدف الاستحواذ على السلطة والمال وتتصارع من أجلهما، وأن عمليات القتل والذبح والاغتصاب التي تنفذ على أفراد أو جماعات لا تخرج عن كونها أسلوب حفاظ على ما تحصل التنظيم عليه من سلطة وثروات ومقدرات.

وقد اشتغل عاكوم على كافة محاور رؤيته بعمق، فألم بأطراف كل محور حتى ليظن القارئ أحيانا أنه يكرر، لكن الحقيقة أنه حرص على ألا يتجاهل أمرا صغيرا أو كبيرا في ما يجري من أحداث ووقائع وردود أفعال، فتطرق إلى المجاهدين الأجانب خصوصا القادمين من مناطق جنوب شرق آسيا ودول جنوب آسيا، ودول المغرب العربي، وخصص فصلا عن السعوديون و”داعش” والمواجهات التي تواجهها المملكة لاحتواء شبابها من الانضمام إلى “داعش” والجهود التي تبذلها لتوجيه الخطاب الديني لمقاومة ومكافحة أفكار التطرف والارهاب، والنجاح الذي أحرزته في ذلك خاصة بعد الخطابات والأوامر التي وجهها خادم الحرمين الشريفين.

وتطرق أيضا إلى تعامل “داعش” مع المسيحيين وما مارسه من عمليات تهجير وقمع وقتل وذبح ضدهم سواء في العراق في محافظة الموصل وبلدة قرة قرش وغيرها من بلدات محافظة نينوي أو سوريا في الرقة والحسكة، وكذلك مع الأقليات مثل الأقلية الإيزيدية التي قتل “داعش” من أبنائها 500 بعضهم دفنوا أحياء وأسر 300 امرأة وطفل.

كما أنه ألمح إلى أنّ انفجارا بين “داعش” وباقي الفصائل المسلحة يبدو وشيكا في المستقبل القريب، لافتا إلى أن الخليط الحالي يتكون من فصائل جهادية تكفيرية وأخرى تتبع الفكر القومي وثالث نوع هو الفكر العشائري، إلا أن تجمع هذه التنظيمات المسلحة حول الكراهية للآخر وأسلوب التجيش الطائفي لم يمنعا الصدامات بينهما، فقد بدأت ومنذ الأيام الأولى بوادر الخلافات والصدامات المسلحة.

ويرسم عاكوم خارطة القوى المسلحة الموجودة على الأرض كاشفا عن سمتها المشتركة وهي أن “غالبيتها أو معظمها ينتمي إلى الطائفة السنية، كما تشترك في شعور الغبن وعدم الحصول على حقوقها”، لافتا إلى أن للجماعات المسلحة في العراق أهدافها الفردية الخاصة بها والتي تتبع مصالحها الخاصة إلا أنها تصب جميعها في خانة الأجندات المتطرفة دينيا وطائفيا، وقال إن “داعش” ستحاول في الفترة المقبلة القضاء على الفصائل الصغيرة المعارضة لها في بعض المناطق خصوصا في سوريا وبعدها في العراق وذلك لتأمين ظهرها في حال انتفاضة الفصائل العسكرية الكبيرة، كما أن المواجهة بينها وبين الفصائل أمر مفروغ منه مهما حاولت “داعش” التهرب منه خصوصا في ما يتعلق بالعشائر وجيش الطريقة النقشبندية.

إن هذا الكتاب الصادر هذا الأسبوع عن دار أملي بالقاهرة في 300 صفحة يمثل خطوة على طريق نأمل أن يلتفت إليه مفكرون وعلماء، فهذه التنظيمات مثل القاعدة و”داعش” وجبهة النصر وأنصار الشريعة وغيرها المتواجدة على خارطة العالمين العربي والإسلامي بحاجة ضرورية إلى مواجهة أفكارها التكفيرية والمتطرفة، وتوثيق جرائمها وتحليلها ووضعها أمام الشعب العربي والإسلامي لكي يرى حقيقة ما تدعو إليه وما ترتكبه ضد الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.

7