داعش بعد الهزيمة.. انتهاء التنظيم وبقاء الفكرة

استعادة مدينة الموصل العراقية من براثن تنظيم داعش، بقدر ما تمثل خطوة أساسية ومفصلية في المسار الطويل لدحر الإرهاب في المنطقة والعالم، إلا أنها تمثل أيضا بداية طرح الأسئلة المشروعة عن نهاية التنظيم، وهل أن خسارة داعش للتنظيم تعني نهايته الوشيكة؟ استمرار الأفكار والأدبيات التي انطلق منها داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، تجعل الإقرار بنهايته ضربا من التفاؤل الخطير.
الاثنين 2017/07/17
اختفت رايات التنظيم لكن دواعي نشوئه قائمة

خسر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الجولة الحاسمة التي كان يستعد لها منذ فترة طويلة ويعبئ لها مقاتليه، وفقد السيطرة على مدينة الموصل التي استعادها الجيش العراقي بدعم من التحالف الدولي، في ما تتناقل وكالات الأخبار مقتل “رأس الحية” أبي بكر البغدادي، الخليفة المزعوم الذي عاث فسادا طيلة ما يزيد على أربع سنوات في سوريا والعراق ومناطق أخرى، وروّع الآمنين، ونصب نفسه الخليفة والمفتي والقاضي والمحتسب والقاتل، الذي يتولى جميع المهام لكن يعفي نفسه منها بالتفويض.

ولكن هل انتهى هذا التنظيم الإرهابي حقا بخسارة الموصل والمقتل المرجح لزعيمه؟

ليس هذا مؤكدا تماما، ولا يمكن الجزم به. صحيح أن معركة الموصل كانت جولة حاسمة في حياة هذا التنظيم وبقائه، وراهن عليها نحو عام كامل، ولكنها ليست الجولة الأخيرة والنهائية. فلقد بنى التنظيم استراتيجيته منذ ظهوره على التوسع أفقيا والانتشار عموديا، وخلق ماكينة إعلامية صنعت منه الوحش الذي يخيف ووفرت له آليات لاستقطاب مقاتليه من جميع القارات، بل تحول لدى الكثير من الجهاديين عبر ربوع العالم إلى “أيقونة” للعمل الجهادي، وهو أمر لم يتوفر لأي تنظيم إرهابي ما عدا تنظيم القاعدة في حياة أسامة بن لادن، وفوق ذلك تمكّن من نشر نموذجه الجهادي إلى أكثر من مكان، حتى أصبحت التنظيمات الإرهابية المسلحة تتسابق على إعطاء البيعة للبغدادي بكل رضاء.

ليس مستبعدا أن ينقل داعش عملياته إلى أوروبا لإرسال إشارات بأنه باق على قيد الحياة، والعودة إلى ما قبل 2013

قبل بضعة أشهر من انطلاق معركة الموصل، صاغ تنظيم داعش مفهوما حربيا جديدا وضعه كسيناريو محتمل في حال هزيمته أمام التحالف الدولي، للحفاظ على بقائه، هو مفهوم الانحياز. وقد ظهرت كلمة الانحياز على لسان الناطق الرسمي السابق باسم التنظيم أبي محمد العدناني، الذي قال إن مقاتلي التنظيم سيقاتلون إلى النهاية ويمكن أن ينسحبوا استعدادا للكر مجددا.

وفي العدد الأخير من نشرة “النبأ” التي يصدرها، والذي ظهر قبيل هزيمته الساحقة في الموصل، نشر التنظيم افتتاحية تحت عنوان “قل للذين كفروا ستغلبون”، جاء فيها “وإن تكرار ما حدث في الموصل مرة ثانية وثالثة ورابعة، هو أمر ممكن حتما في كل المدن التي ينحاز منها جيش الدولة الإسلامية”، ومعنى ذلك أن تنظيم داعش يضع سلفا خطة الانسحاب المخادع أمام المواجهة غير المتكافئة من كل المناطق التي يسيطر عليها، في اتجاه مناطق أخرى، انتظارا لفرصة العودة.

قد تكون تلك الخطة مجرد مناورة بلاغية موجهة إلى مقاتلي التنظيم من أجل رفع معنوياتهم أمام الخسائر الفادحة التي يتكبدونها في الأرواح والأرض، فقد جرب نفس السلوك في سرت الليبية، لكي يحاول زرع الأمل في نفوس المقاتلين التابعين له بأن الخسارة ليست نهاية الحرب بل مجرد جولة في مسار جهادي طويل.

ولذلك وجه الناطق الجديد باسم التنظيم، أبوالحسن المهاجر، قبل أسابيع كلمة إلى المقاتلين تحت عنوان “ولما رأى المؤمنون الأحزاب”، أوهم فيها المقاتلين البسطاء بأن المعركة التي يخوضونها شبيهة بالمعركة التي خاضها النبي عليه السلام مع الأحزاب في الغزوة التي حملت نفس الاسم، وقال فيها “نسأل الله أن يصرف الأحزاب عن دولة الخلافة كما صرفها عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته”، ثم توجه إلى المقاتلين قائلا “يا جندي الخلافة، تأمل واعتبر بما يجري حولك من أحداث وتفكر ثم انظر فما هي والله إلا ميتة واحدة وقتلة واحدة، فكن عزيزا بدينك مستمسكا بإيمانك”، وهي صرخة شخص يائس يريد أن يلتف على هزيمته.

وفي نفس الوقت عمل التنظيم على الترويج لنشيد جديد باسم “دولتي باقية”، مدته ثلاث دقائق، لتجديد معنويات المقاتلين وتذكيرهم بالشعار الأول الذي رفعه التنظيم بعد إعلان ما سمي بالخلافة.

مع ذلك فإن التنظيم أمامه خيارات متعددة لمواصلة حربه بكل السبل، ولعل نظرية “الحرب الشاملة” التي رفعها منذ البداية قبل حوالي أربع سنوات جعلته لا يكتفي بالعراق كمسرح لعملياته وحضوره بقدر ما سعى إلى تنويع نقاط تواجده، من خلال تنويع جنسيات مقاتليه.

وفي عدد أخير من نشرة “النبأ” قال التنظيم إن مسرح عملياته ليس العراق وسوريا فقط “بل صارت تشمل العالم كله”.

وليس مستبعدا أن يغطي التنظيم على خسارته بنقل عملياته إلى أوروبا، لإرسال إشارات بأنه باق على قيد الحياة، والعودة إلى ما قبل العام 2013 حين نشأ نتيجة عملية توحيد بين جماعات مقاتلة تتقاسم نفس الأيديولوجيا.

13