داعش بين خرافة الدولة وحقيقة الميليشيا المرتزقة

الأربعاء 2014/12/10
الدعم المادي يمثل أهم عامل لتوحيد مرتزقة داعش فالعقيدة ليست أداة لتجميعهم لأنهم يجهلونها

القاهرة - في الحين الذي يرى فيه محللون أن تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي ذاهب نحو التفتت والاختفاء على وقع الضربات الدولية المكثفة، فإن العديد من الآراء الأخرى تؤكد أن تماسك التنظيم ومواصلته لأعماله الإرهابية هما حقيقة واقعية أحدثتها التمويلات السخية التي تضخ لهذا التنظيم الإرهابي من قبل قوى إقليمية بعينها لها مصلحة في تواصل الصراع في الشرق العربي.

ما انفك تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي “داعش” يواصل السعي نحو رسم حدود دولته المزعومة، مُحاولا الوقوف على أرض صلبة في سوريا والعراق بهدف الانطلاق نحو آفاقٍ أخرى، ولكن تصدي الحلف الدولي الذي أطلقت لجامه الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر الماضي، أربك خطط هذا التنظيم مما جعله يواجه العديد من الأخطار التي قد تُضعف حراكه نحو اقتناص المزيد من الفرص لصالح دولته.

غير أن الضربات التي يقوم بها الحلف الدولي ضد “داعش” بقيادة أميركية، والتي تمثل أبرز التحديات الخارجية التي تواجه التنظيم وتُهدّد باقتلاعه، لاسيما بعد الإقرار بمشاركة برية تزامنا مع الضربات الجوية، فإن هناك العديد من التحديات الداخلية التي تواجه التنظيم، منها ما يتمثل في “الجانب الأيديولوجي” والصراع الفكري داخله، خاصة في ظل “صراع الزعامة” الذي يُحدد فكر التنظيمات التكفيرية، بما يدفع العديد من النبوءات الخاصة بتفتّت التنظيم إلى البروز.


الصراع على الزعامة


ولعل الشاهد الأبرز على “صراع الزعامة” الذي يتغذى من الفكر الانشطاري لدى التكفيريين، هو ما حدث في العديد من المراحل التاريخية السابقة، حول الانشقاقات المتلاحقة التي شهدتها التنظيمات الجهادية التكفيرية، آخرها انشقاق “داعش” نفسه عن تنظيم القاعدة، وبدء حرب داخل صفوف الجماعات الجهادية حول زعامة الإرهاب في المنطقة، ذلك كله جنبا إلى جنب وفتاوى التكفير التي تنتشر داخل تلك الجماعات، والتي تدفع بتفتتها لجماعات وألوية صغيرة تصنع لنفسها “هالة إعلامية” كبرى مصطنعة، أو تجد لذاتها متسعا من المجال حال قيام بعض القوى الإقليمية بدعمها، مثل ما حدث مع داعش، بحسب محللين. ويؤكد الجهادي السابق الشيخ نبيل نعيم، مؤسس تنظيم الجهاد بمصر، أن الجماعات الجهادية والتكفيرية هي بطبيعتها جماعات اعتادت على “الانشقاقات الداخلية”، خاصة أن أي اختلاف داخلي لديها يؤدي إلى التكفير، فيكفّر بعضها البعض الآخر، بما يدفع بتفتت التنظيم ذاته، مستدلا بانشقاق “داعش” عن القاعدة، في الوقت الذي لفت فيه إلى أن “داعش” نفسه كفّر زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، بسبب تعاونه مع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وقال “داعش” آنذاك إن الظواهري يتعاون مع مرسي الذي وصل إلى الحكم عبر الانتخابات، وهي آلية غير إسلامية في تفكير “داعش”.

كلما شعر أي من عناصر تلك التنظيمات بالقوة إلا وبدأ يحاول استقطاب العناصر الأخرى لإعلان نفسه أميرا


انهيار التنظيم


وانطلاقا من ذلك، يتنبأ نعيم في تصريحات خاصة لـ”العرب”، بانهيار تنظيم “داعش” بسبب ذلك الخلاف الداخلي، متوقعا حدوث العديد من الانشقاقات الداخلية خلال المرحلة المقبلة، مع تنامي التنظيم وظهوره.

وفي ذات السياق، كانت أجهزة استخباراتية قد رصدت قبل أسابيع معلومات حول بدء حمى الانشطار والانشقاق داخل صفوف “داعش”، عدّتها التقارير بـ3 انشقاقات متتالية، تدفع إلى تغيير “داعش” لإستراتيجيته في التعاطي مع الأوضاع الراهنة بشكل كامل، والبدء في تنفيذ مُخططات استهداف العديد من الدول الغنية لتحقيق تقدم يلفت أنظار الجهاديين إليه، وتدفع بمواصلة دعم قطاع عريض منهم لـ”أبو بكر البغدادي” حرصا منه على الغنائم.

ولكن ميدانيا، يقول خبراء إن الإقرار بانشقاقات داخل داعش أمر مبكر وسابق لأوانه، حيث يذكر نائب قائد تجمع الضباط الأحرار في شؤون الاستخبارات والتنسيق بالجيش السوري الحر، العميد حسام العواك، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، أن كل الأنباء المتواترة من معسكرات “داعش” لا تؤكد وجود انشقاقات قوية حتى الآن داخل التنظيم، خاصة أن هناك تمويلا ضخما يصل إليه، سواء التمويل الخارجي من دول بعينها، أو ما يحصل عليه التنظيم الداعشي من مكاسب هائلة جراء آبار النفط المسيطر عليها في سوريا والعراق، وبالتالي فإن رباط العناصر الجهادية في داعش يأتي تمسكا بالمال، والحاضنة التمويلية الحالية، بما يفوّت الفرصة على ترجمة انشقاقات حقيقية ومؤثرة داخل التنظيم.

وعلى الجانب الآخر، يرى بعض المحللين، أن ثمة حالة من الوفاق تحدث بين بعض التنظيمات الجهادية حال وجود أخطار خارجية، غير أنه وفاق “غير مُعلن”، وما إن تتاح الفرصة للاستقرار تبدأ تلك الفصائل في تكفير بعضها البعض، في ظل الخلافات العقائدية بينها، وتباين درجة “الفكر التكفيري” لديها، ما يجعل بعضها قد يُنهي البعض الآخر، عبر الدخول في اقتتال وصراع دموي مباشر، كما يحدث في سوريا حاليا.

باحث في شؤون الحركات الإسلامية يرى أن تلك الجماعات الجهادية "تأكل نفسها" عبر بوابة “التكفير”، والاختلافات الفكرية.


ارتباط المصالح


وفيما يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية الكاتب الصحفي، ماهر فرغلي، أن تلك الجماعات الجهادية “تأكل نفسها” عبر بوابة “التكفير”، والاختلافات الفكرية، فإنه يؤكد أن تلك السمة واضحة جدا في النهج الفكري لتلك الجماعات الجهادية التكفيرية. فكلما شعر أي من عناصر تلك التنظيمات بالقوة، بدأ يُروج لنفسه ولأفكاره، ويحاول استقطاب المزيد من العناصر الأخرى لإعلان نفسه أميرا، يؤكد آخرون أن رباط “المصالح” هو وحده من يجمع عناصر تلك التنظيمات الإرهابية، بخلاف ما يُروّج له حول تجمعهم حول رباط العقيدة وفكرة “الخلافة” أو ما يثار في ذلك الصدد.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن تنظيم “داعش” كان قد أعلن الخلافة كي يجبر باقي الفصائل الجهادية على أن تلتف حوله، ليفرض عليها “بصورة شرعية” الانضمام إلى كيانه الذي يقوده أبو بكر البغدادي، فإن العديد من الفصائل الإرهابية استجابت لتلك الدعوة، ومنها بعض الفصائل التابعة للقاعدة، لاسيما مع إعلان “الخلافة”، ولكن بعض الفصائل الأخرى رأت أن ذلك الإعلان هو بمثابة “مناورة” لتقوية تنظيم “داعش” ولا علاقة للأمر بعودة الخلافة الإسلامية، ونعتت الدواعش على أنهم خوارج هذا العصر، ويقومون بمحاربتهم ومواجهتهم ما خلف الصراع القائم حاليا.

ومن جهة أخرى، يرى مؤسس الجبهة الوسطية صبرة القاسمي، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، أن وجود انشطارات داخل تنظيم الدولة حديث سابق لأوانه، لأن الدولة أو التنظيمات الجهادية بصورة كاملة لا تتفتت ما دامت تحت ضغوط: “أعتقد أن التحالف ضد داعش أعطاها قبلة الحياة بتعاطف قطاع عريض من الإسلاميين معها ضد التحالف الذي يحوي داخله الولايات المتحدة الأميركية”. وأردف قائلا: “وفي النهاية، طالما داعش يحارب وينتصر فإنه لن يتفتت، والخطر الوحيد هو أن تنتهي هذه الحروب”، لأنها حسب نظره ونظر العديد من المفكرين والخبراء مصدرا لرزق مرتزقة هذا التنظيم الإرهابي.

13