"داعش" تدعس الأصوات الحرة

الاثنين 2013/11/04
الخطأ الذي وقع فيه الإعلاميون هو "صمتهم" على انتهاكات "داعش"

لندن – في خطة لتصفية الوجود الصحفي في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، تلجأ داعش إلى الاغتيالات وتضييق الخناق على الأصوات الحرة التي تفضح ممارساتها.

ورغم اتخاذهم من مدينة الرقة مقرا لهم في سوريا، مازال صحفيو مؤسسة «أنا للإعلام الجديد» يعانون في ممارستهم لأنشطتهم الصحفية من قبضة حديدية فرضت على المدينة وعلى جميع جوانب الحياة فيها. لم تكن قوات الأسد صاحبة تلك القبضة القمعية في الرقة هذه المرة، لكن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» هو من فرضها.

المؤسسة التي تقوم في جوهرها على فكرة «الصحفي المواطن»، ويتشكل عمودها الفقري من صحفيين، هم في الأصل نشطاء ثوريون، اعتادوا على الاختفاء من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف بـ «داعش»، وجدت نفسها على رأس أهداف التنظيم، الذي نجح في إحكام سيطرته على المنطقة بأسرها.

ففي الأول من أكتوبر الجاري اختطف أحد النشطاء العاملين في المؤسسة خلال عبوره لحاجز أمني في طريقه إلى «الرقة»، وأفاد شهود عيان أن من ألقى القبض عليه هم مقاتلو «داعش». بعدها بثلاث ساعات اقتحم مقاتلو التنظيم، إحدى أهم أذرع القاعدة في سوريا، مقر المؤسسة في المدينة، وصادروا جميع الأجهزة التي يستخدمها هؤلاء النشطاء لبث برامج راديو، قاموا بإنشائه لتغذية المنطقة المحيطة بهم، وهو ما شكل تطورا جديدا لمرحلة التوتر التي تمر بها العلاقة بين قوى المعارضة السورية المعتدلة، وفصائل الإسلاميين المتشددين.

أظهر هجوم «داعش» الأخير على مؤسسة «أنا»، في الرقة، أن التنظيم يحاول إسكات الصوت الوحيد الناقد في المدينة، التي يعتبرون أنها باتت أحد معاقلهم.

ويقول رامي الجراح، الشريك في مؤسسة «أنا» إننا «سكتنا كثيرا عن الأخطاء التي صدرت عن أشخاص وكيانات تدعي أنها جزء من المعارضة».

وأضاف «نحن ندرك أن هذه الجماعات لا تحظى بالدعم الشعبي الكافي، وأن السوريين ليس لديهم البديـل لمواجهة هذه التنظيمات، إلا في أن نبدأ نحن بالحديث عن انتهــــاكاتها».

وخلال الثلاثة أشهر التي بثت فيها من الرقة، ارتكز نشاط المحطة الإذاعية «أنا» على توجيه انتقادات حادة إلى القوى الراديكالية المسيطرة على المدينة، برزت خلالها آراء سوريين عاديين هاجموا «داعش» من خلال برنامج «مع الناس» الذي نجح في تسليط الضوء على الممارسات القمعية والانتهاكات التي ارتكبها مقاتلو التنظيم ضد النشطاء والصحفيين.

كما امتد نشاط المؤسسة، حسب ما أورد تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، إلى إطلاق حملات التوعية، التي تهدف إلى كشف ممارسات النظام السوري، ورفع درجة الوعي بالحراك الثوري.


المعركة مع «داعش»


جذور المعركة مع «داعش» تعود إلى مرحلة الشروع في بدء النشاط، عندما وجد العاملون في «أنا» أن عليهم أن يتقدموا بطلب لاستخراج التصاريح اللازمة لممارسة أنشطتهم الصحفية من مقاتلي «جبهة النصرة» (التي تصنفها الخارجية الأميركية على أنها تنظيم تابع للقاعدة في سوريا)، لكن كان على العاملين في المؤسسة أيضا أن يقوموا بتخزين معداتهم في مناطق أخرى بعيدة عن العناوين الواردة في تصاريح العمل التي حصلوا عليها.

وحاول الجراح، في تصريحات نشرتها «فورين بوليسي»، توضيح المعاناة التي يشعر بها العاملون في المؤسسة «كان الخطر كبيرا في الشهرين الأخيرين وكنا نعلم هذا»، وأشار إلى أن صحفيي المؤسسة اعتادوا على الدخول إلى المقر خلسة لتفقد البث، وإخلاء معداتهم ونقلها إلى مقرات آمنة».

ورغم تدخل القاضي الشرعي للمنطقة، في محاولة منه لحل النزاع الذي تصاعدت حدته بين المؤسسة و»داعش» على إثر اعتقال مقاتلي التنظيم المتشدد لرامي رزوك، أحد النشطاء المنتمين إليها، وتعرضه للتعذيب والتنكيل بطرق وحشية، إلا أن قيادات التنظيم أصرت على احتجازه واتهمت مؤسسة «أنا» بتلقي دعم مالي من قبل استخبارات وجهات أجنبية.

لكن المؤسسة لم تكن، على أية حال، الــــجهة الوحيـــدة التي تعرضت لمضـــايقات من قبل «داعش».


انتهاكات واسعة


من ضمن الممارسات التي كشفت عنها منظمة دولية مشاركة التنظيم الراديكالي في مجزرة ارتكبت بحق مدنيين، راح ضحيتها 190 شخصا ينتمون إلى قرى مؤيدة للنظام في اللاذقية. وألقى تنظيم «داعش» خلال الأيام الماضية القبض على زياد حلبي، المصور والناشط والصحفي الحر، في نقطة تفتيش.

تخطط «أنا» الآن للعودة مجددا إلى «الرقة» في أسرع وقت، ويقوم النشطاء والصحفيون المنتمون إلى المؤسسة بتهريب معداتهم وأجهزتهم إلى داخل المدينة، حيث من المنتظر أن يكونوا على الهواء مرة أخرى خلال مدة لا تتجاوز الأسبوعين، حسب رامي الجراح.

ويضيف الجراح «أعتقد أن الخطأ الذي أدركنا وقوعنا فيه بعد مرورنا بهذه الأزمة، هو أننا صمتنا كثيرا تجاه داعش وغيره من التنظيمات المتشددة،».

18