داعش تقود مخطط الحرب الطائفية وتحول المنطقة إلى جحيم للأقليات

الأربعاء 2014/08/06
عائلة عراقية مسيحية بصدد الخروج من مدينة الموصل في اتجاه مدينة دهوك طلبا للحماية من إرهاب داعش

دمشق - بغداد - كشفت الأحداث الأخيرة في كل من العراق وسوريا في ما يتعلق بسيطرة تنظيم داعش على بعض المناطق في شمال العراق وسوريا، عن تململ واضح من قبل أهالي تلك المناطق (الموصل، تكريت، الحسكة، حلب…) والذي أدى إلى اندلاع اشتباكات مباشرة بين العناصر الداعشية الإرهابية ومسلحين لحماية مناطقهم. وتؤكد الأخبار أن تطرف التنظيم وجرائمه المرتكبة ضد السكان هي العوامل الرئيسية التي بدأت تنبئ بانحساره وتراجعه، في تأكيد جديد على أن ممارسي الإرهاب باسم الدين أصبحوا ضمن الأعداء الحقيقيين الذين تجب مقاومتهم شعبيا.

يواجه تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” الذي شهد نفوذه تصاعدا سريعا منذ يونيو، انتفاضة عارمة في شرق سوريا، في الحين الذي تستعر فيه المعارك بينه وبين المقاتلين الأكراد في شمال البلاد، في مواجهات تضفي تعقيدات جديدة على النزاع السوري متعدد الجبهات، بينما تقوم عناصر التنظيم بارتكاب جرائم ضد المسيحيين في الموصل بتهجيرهم قسرا من بيوتهم وطردهم خارج المدينة “عملا بأحكام الشريعة” حسب رؤيتهم.


جحيم الأقليات في سوريا


استعاد مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردي الذين يتمسكون باستقلالية مناطقهم بعض مواقع تنظيم “الدولة الإسلامية” في ريف مدينة كوباني (عين العرب) الحدودية مع تركيا بعد معارك عنيفة مستمرة منذ يوم الأربعاء الماضي، حسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان. وقتل في المواجهات 14 مقاتلا كرديا و35 عنصرا من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقد جاءت هذه المعارك بعد التصعيد المتواتر من قبل الجماعات الإرهابية ضد السكان الأكراد في سوريا للضغط على أكراد العراق والحصول على سبل جديدة للتفاهم تفرضها قوة الواقع الميداني.

ويسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، محاذية لمناطق أخرى تحت سيطرته في شمال العراق وغربه. وتشكل “كوباني” جيبا داخل هذه المنطقة على الحدود السورية التركية. ويسعى تنظيم “داعش” إلى الاستيلاء عليها. وكان التنظيم قد تمكن خلال الأسابيع الأخيرة من السيطرة على قرى عدة في ريف المدينة، وذلك للتوسع في محافظة الحسكة (شمال شرق سوريا) التي يتقاسم السيطرة عليها مع الأكراد وبعض الكتائب المقاتلة ضد النظام السوري وقوات النظام التي تتواجد خصوصا في مدينة الحسكة، مركز المحافظة.

يعاني السوريون من انعدام الأمن مما دفعهم إلى تشكيل لجان شعبية لمقاومة إرهابيي داعش في غياب تام للنظام

ويؤكد مراقبون أن عمليات القتل الوحشية التي تقوم بها عناصر داعش قد فاقت قدرة الأقليات التي تعيش في تلك المناطق السورية على التحمل، فعمليات القصف بقذائف الهاون متواصلة تقريبا بشكل يومي، وقد أدت في الأيام الأخيرة إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل في ريف الحسكة.

وبدأت المعارك منذ يوم الثلاثاء الماضي بعد أن أقدم التنظيم المتطرف على اعتقال ثلاثة من أبناء عشيرة الشعيطات في بلدة الكشكية في ريف دير الزور، “متجاوزا الاتفاق الذي تم بينه وبين أبناء عشيرة الشعيطات والذي نص على تسليم الأسلحة للدولة الإسلامية والتبرؤ من قتال “الدولة” مقابل عدم التعرض لأبناء هذه البلدات”، حسب ما أورد المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو السلوك المعتمد من قبل التنظيم، الذي إذا أراد السيطرة على منطقة ما يقدم وعودا بعدم الاعتداء على سكانها، وبمجرد الدخول إليها تتحول تلك المنطقة إلى جحيم فعلي.

وردا على ذلك، شن مسلحون عشائريون من بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج التي يقطنها مواطنون من أبناء عشيرة الشعيطات فجر الأربعاء هجوما على دورية لتنظيم الدولة الإسلامية في بلدة أبو حمام، وعلى مقر لتنظيم الدولة في بلدة الكشكية. واندلعت اشتباكات على إثر ذلك بين الطرفين قتل فيها خمسة مقاتلين من “الدولة الإسلامية” على الأقل، أحدهم بلجيكي.


مأساة مسيحيي العراق


لم تتوقف جرائم تنظيم داعش عند الاقتتال مع العشائر والقوميات الأخرى التي تسكن المناطق التي سيطر عليها، بل لم يسلم أتباع الديانات الأخرى من المواطنين من هجماته.

فقد شهدت مدينة الموصل شمال العراق موجة هجرة غير مسبوقة في تاريخ المسيحيين في تلك المناطق، تاركين وراءهم بيوتهم ومصالحهم وكنائسهم واتجهوا شمالا طلبا لحماية الأكراد بعد أن فقدوا الثقة في حكومة المالكي وجيشه المضطرب، المكون من ميليشيات إيرانية وطائفية.

وأفاد شهود عيان في الموصل التي تعود غالبية جذور المسيحيين العراقيين إليها، أن بعض مساجد المدينة قامت في فترة سابقة بدعوة المسيحيين إلى المغادرة عبر مكبرات الصوت، مذكرة ببيان “الدولة الإسلامية” الذي يتضمن دعوات للخروج طواعية قبل اللجوء إلى العنف، ومؤكدة أنه سيتم تصفية من يمتنع عن الخروج.

تم تهديد سكان الموصل من المسيحيين بالقتل إذا لم يذعنوا لأوامر داعش بمغادرة المدينة أو دفع الجزية

وكان البيان الصادر عن “ولاية نينوى” حمل توقيع ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”، انتشر على مواقع الإنترنت، جاء فيه أن هذا التنظيم أراد لقاء قادة المسيحيين حتى يخيرهم بين “الإسلام” أو “عهد الذمة” (أي دفع الجزية)، مهددا بأنه “إن أبوا ذلك فليس لهم إلا السيف”. وبما أن المسيحيين في الموصل رفضوا لقاء قادة التنظيم، فإن الذي يسمي نفسه “أمير المؤمنين الخليفة أبو بكر البغدادي”، سمح للمسيحيين بالمغادرة فقط من حدود “دولة الخلافة” خلال موعد آخره يوم السبت الموافق لـ21 من رمضان على الساعة الثانية عشرة ظهرا”.

وختم البيان “بعد هذا الموعد ليس بيننا وبينهم إلا السيف”، وهو ما عده مراقبون “جريمة نكراء في حق الإنسان وفاشية فاقت في بشاعتها جرائم أي نظام آخر في التاريخ”.

وقد صرح أحد العراقيين المسيحيين لإحدى وكالات الأنباء أنه “لن يغادر الموصل، فقد تربى وتعلم فيها وهو معلم ويدرس التلاميذ العراقيين بمختلف أديانهم وقومياتهم، ولم ير من قبل مثل تلك المظاهر المذلة للمواطنين”.

وقبيل موجة النزوح من الموصل، شهدت العديد من القرى القريبة من هذه المدينة الاستراتيجية حالات نزوح كبيرة لسكان مسيحيين خوفا من دخول المسلحين المتطرفين إليها، وبينها بلدة برطلة المسيحية التي يعيش فيها نحو 30 ألف شخص وتقع شمال الموصل.

وتتعرض الكنائس في العراق منذ 2003 إلى هجمات متكررة. وأدى أخطر هجوم استهدف المسيحيين إلى مقتل 44 مصليا وكاهنين في كنيسة للسريان الكاثوليك في قلب بغداد في 31 أكتوبر 2010. ودفعت أعمال العنف تلك إلى هجرة عدد كبير من المسيحيين العراقيين خارج البلاد.

وقد صرحت “أحلام” وهي إحدى العراقيات المسيحيات المطرودات من الموصل، أنها تعرضت لسرقة سيارتها من قبل مسلحين من داعش حيث “اعتدوا عليها هي وزوجها بالشتم والتكفير بعد أن قضيا ليلتين دون أكل أو شرب”.

وذكر تقرير سابق لمنظمة “حمورابي لحقوق الإنسان” العراقية، أن عدد المسيحيين انخفض من حوالي مليون و400 ألف في 2003 إلى قرابة نصف مليون حاليا، ما يعني هجرة أكثر من ثلثيهم إلى مناطق أخرى أكثر أمنا.

13