داعش تلوّث الشعر

السبت 2014/09/13

أتابع ما يكتبه الشعراء هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من الخوف والحيطة. أفتح صفحة الواحد منهم كما لو كنت أفتح صورة لرأس مقطوعة، وملقاة إلى جانب صاحبها. في حالة الصور، فإنني أنزل ببطء وحذر لأتأكد من أنها لن تأخذني إلى صدمة لا أشفى منها. أما في حالة الشعر، فإنني أفتحه على آخره، تاركة للدم حق الانفجار في وجهي وإغراق روحي بالكامل.

إنهم يكتبون بكثير من الدم.

كأن القصائد تحولت إلى شاهد على مشاهد القتل والذبح، التي تطالعنا كل يوم في كل مكان. داعش تغزو الشعر أيضا، وتحوله إلى صحراء أخرى لأرواحنا، المقطوعة عنا أصلا. الشعر بدوره يغرق في داعش، وفي الزمن الرديء، وفي كآبة التطرّف، ويذهب مع الإنسانية إلى قاعها، لأنه كان دائما الأقرب إلى عمقها.

هل يجب أن يتلوث الشعر كما تلوثنا؟

نعم، لأن الشعر -عكس ما أوهمنا به أجدادنا الشعراء، الذين وجدوا أن “أعذب الشعر أكذبه”- صادق، صادق جدّا، حدّ الإيذاء. ولأنه كذلك فهو يعكس الأشياء كما يراها، وكما تصل إلى داخل روحه.

أقرأ أبياتا عن “حب معلق من رقبته إلى شجرة”، أو “حياة مقطوعة الأطراف”، أو “هواء يغرق في دم النهار”، فتأتي صور داعش أمام عيني، كأن الشعر امتداد لها، أو كأنها لم تكتف بواقعها البصري فانتقلت إلى أبعاد أخرى، وأخذت أشكالا مختلفة.

أحيانا أستغرب كيف يمكن للشعر، ذلك الكائن الرقيق الدافئ الذي تربى في البلاطات، وعلى المفارش الناعمة، وداخل البيوت، وفي ساحات النضال الواسعة، وتحت الأسقف العالية وخلال المساءات المفتوحة، أن يستوعب هذا الكم من الدم والتردي الإنساني، ويذهب في تطرفه مذهب داعش نفسها؟ الإجابة، حسب رأيي، تكمن في أن أغلب الشعراء وعوا أخيرا، أن الشعر يلتصق بالإنسانية من داخلها، يسمو بسموها، ويهبط بهبوطها، يتلوث بها وفيها. ولأن داعش لوثة هذا الزمن، وعار لحق به، لأنها تبتذل الروح الإنسانية بطريقة لم يسبق للبشرية أن عرفتها، لأنها تفصل الرقاب عن الأجساد، وتبقر البطون وتقطع الأطراف وتجلد، وترجم، وتسحل… فإن الشعر أيضا، يقتل ويبقر، ويسحل الحب والطبيعة والحياة، كل حقل مرّ به، كل سماء ضمته، كل أرض أنبتته، يقتل الشاعر والقارئ على حدّ سواء، ويفقأ الأعين، التي أبصرت الصور والتي لم تبصر.

داعش لوثت الشعر، والفن عموما، ولا يجب أن نأسف لذلك.


شاعرة من تونس

17