داعش حجر يثقب الحياة

السبت 2015/08/15

رغم كل شيء الحياة طبيعية في بغداد، صحيح الكهرباء لا تتوفر سوى أربع ساعات باليوم، إلا أن هناك مولدات تزود المنزل بخمسة أمبيرات في الخط الذهبي تكفي لتشغيل المبردة والثلاجة. وبسبب انشغال الميليشيات بداعش الوضع هادئ في العاصمة العراقية.

هناك فوضى وانهيار للبنية التحتية كما ذكر لي صديق عاد من هناك، إلا أن العاصمة لا تخلو من مولدات حديثة، ومراكز تسوّق راقية، وجلسات ساحرة على دجلة.

في الموصل، من جهة أخرى، يقول الناس إن الحياة طبيعية أيضا، رغم أن انقطاع الرواتب والقصف بالطائرات يثير مخاوف الناس كثيرا، إلا أن الشوارع مفتوحة والكهرباء ثماني ساعات باليوم والباقي مولدات.

ولأول مرة بالتاريخ نرى إدارة للحرب بالطائرات، فالأميركان أيضا يبحثون عن عمل لتزجية أوقات الفراغ بهذه الطلعات الجوية فوق الموصل والرقة. يقتلون وقتهم بقتل بعض الدواعش، أو بالتصريحات السياسية الغريبة التي يطلقها المتقاعدون، فمايكل هايدن، المدير السابق للمخابرات المركزية الأميركية، يقول لم تعد هناك دولة اسمها العراق وسوريا، ورئيس الأركان السابق، ريموند أودييرنو، يقول إن تقسيم العراق قضية حتمية. كل شيء على ما يرام في النهاية. مازالت بطون النساء في بغداد والموصل تنتفخ، وما زالت المقابر تستقبل المقيمين الجدد، وما زالت المحاكم الشرعية تعقد القران، والأسواق مفتوحة، فما هي المشكلة؟

مظاهرات وتصريحات بين حيدر العبادي ونوري المالكي لقتل الوقت، والكباب في المطاعم لا يلبث أن ينزل على الطاولات حتى يصعد إلى الأفواه. هموم كثيرة في بغداد اليوم لا نستثني منها هموم الصلع، وعمليات زرع الشعر، وتصغير الأنف، وشد الوجوه المنتشرة بين العراقيين في العاصمة بغداد وأربيل وتركيا وإيران.

هناك كوارث تحدث من وقت إلى آخر بلا شك، مثل ما حدث يوم الخميس الماضي 13 أغسطس 2015 حيث ألقت ثلاث طائرات عراقية البراميل المتفجرة على مستشفى الفلوجة للولادة والأطفال ودمرته بالكامل، وتركت 25 قتيلا و30 جريحا معظمهم من النساء والأطفال. وفي نفس اليوم انفجرت شاحنة ملغومة في مدينة الصدر ببغداد مما أدى إلى سقوط 60 مدنيا و200 جريح، إلا أن كل ذلك لا يؤثر على حياة الناس اليومية الذين تعايشوا مع هذا الواقع اليومي.

عام 1979 استلم الرئيس صدام حسين العراق وكان سكانها يناهز 13 مليون نسمة، وبعد حرب إيران التي راح ضحيتها نصف مليون عراقي، يخسر العراق حتى في بعض الأيام ستة آلاف جندي بيوم واحد. وبعد الهجرات المليونية وحرب الكويت والجوع والحرب الأهلية ماذا حدث؟ العراق اليوم أربعون مليون نسمة. السائل المنوي العراقي أقوى من الدموع، الشهد أقوى من الدموع، والأفواه أكثر من الأرانب.

داعش الغامضة تجلس على مرتفعات نينوى وفي فمها ابتسامة، فالضجر هو سيد الموقف، وإذا استطاع الدواعش استثماره فإن الوضع سيزداد سوءا. الناس بدأت تضجر من أخبار لجوء العراقيين إلى الغرب، بينما المثير حقا هو لجوء الغربيين إلى الموصل، والمثير حقا هو الوحدة الحالية بين الرقة والموصل، والباقي ضجر شاسع يستثمره الإرهابيون لصالحهم.

ضجر يشبه أوهام القضاء على داعش فتركيا تقول؛ الطريق إلى داعش يمر بحزب العمال الكردستاني، والأكراد يرون الطريق إلى داعش يمر بالدولة الكردية الحرة، وإيران ترى الطريق إلى داعش يمر بالسعودية، والسعودية ترى الطريق إلى داعش يمر بطهران، وشيعة العراق يرون الطريق إلى داعش يمر بأموال البترول، وسنة العراق يرون الطريق إلى داعش يمر بالحكم في بغداد، والبارزاني يرى الطريق إلى داعش يمر بكركوك، وأميركا ترى الطريق إلى داعش يمر بأسعار النفط، وروسيا ترى الطريق إلى داعش يمر باقتصادها، وبشار الأسد يرى الطريق إلى داعش يمر بالثورة السورية، والثورة السورية ترى الطريق إلى داعش يمر ببشار الأسد، والرئيس عبدالفتاح السيسي يرى الطريق إلى داعش يمر بالإخوان المسلمين، والإخوان المسلمون يرون الطريق إلى داعش يمر بحساباتهم المصرفية، وداعش ترى البشرى وطول السلامة في كل هذا الجدل.

داعش مجرد ضجر يجري مع دجلة والفرات. علامة على خروج الواقع العراقي من سيطرة العقل، عدوى تبشّرُ أهل بابل بالفيضان. حجرٌ يثقبُ الحياة.

كاتب عراقي

9