داعش.. خطر إرهابي تحول إلى خطر وجودي على أوروبا

أعلنت الدول الأوروبية مرارا عن كون تنظيم داعش يشكل خطرا كبيرا اليوم، وانخرطت جملة من الدول في تحالف يهدف إلى محاربته والقضاء عليه. لكن الأحداث الدموية الأخيرة التي جدت في العاصمة الفرنسية باريس فاقمت مخاوف الأوروبيين من هذا التنظيم الذي تحول إلى خطر وجودي على هذه الدول.
السبت 2015/11/21
المجلس الأوروبي يناقش التطورات الأمنية بعد الهجوم الإرهابي على باريس

با ريس- يميل الأوروبيون والفرنسيون خاصة -وهذا ليس بخفي- للتعالي على الأميركيين، لكنّ الاتجاه متأصل حتى في العلاقة الخاصة مع المملكة المتحدة. فخلال لقاءات جرت مع أفراد بأجهزة استخباراتية -معظمهم متقاعد- من أجل مشروع لمعهد رويترز كنت أسمع غالبا أن كبار الضباط البريطانيين كان لديهم اعتقاد بأن عبارة “الحرب على الإرهاب” عبارة غبية وأنهم لم يستخدموها قط. إذ كانوا يرون أنها ليست حربا لأن الصراع ليس “وجوديا” بل تحديا خطيرا من متشددين خطرين.

لكن يبدو أن الهجمات الأخيرة التي نفذت على الأراضي الفرنسة قد قلبت الموازين. حيث قال فرانسوا هولاند رئيس فرنسا الاشتراكي “إن المذبحة التي شهدتها باريس مساء الجمعة الماضي “عمل من أعمال الحرب”. وقال البابا فرنسيس في قداس لإحياء ذكرى 100 ألف جندي إيطالي قتلوا في الحرب العالمية الأولى ــوكان جده واحدا من الجنود الذين نجوا منهاــ إن “بالإمكان التحدث عن حرب ثالثة.. واجهنا على مر الزمن جرائم ومذابح ودمارا”. وبالتالي لم يعد الأوروبيون متعالين، فباريس في يوم الجمعة 13 نوفمبر 2015 وحدت أوروبا في سكرة غضب، غضب عارم حتى أن الرئيس الأميركي أمسى الطرف الذي يشعر الآن بأن عليه أن يذكرنا بواجب استقبال لاجئين من سوريا.

وهناك تحول آخر، إذ قال جوزيف بايدن نائب الرئيس في لوس أنجلس يوم الاثنين “أقول للشعب الأميركي: لا خطر وجوديا على الولايات المتحدة. داعش لا يمكنه فعل شيء يسقط الحكومة ويهدد نمط حياتنا”.

البغدادي رجل داعش الأول والمتحكم في الاستراتيجيات

أعلن تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مناطق شاسعة من العراق وسوريا والذي تنتشر فروعه وعناصره في عدد من الدول الأخرى، مسؤوليته عن اعتداءات باريس التي أدت إلى مقتل 130 شخصا.

ولا يوجد إلى غاية اليوم دليل قاطع على أن القادة البارزين في التنظيم وجهوا أمرا مباشرا بتنفيذ اعتداءات باريس.

ويرجح الخبراء أن البغدادي هو المتحكم الرئيسي في الاستراتيجيات، بينما يقوم قادة وعناصر أقل رتبة بتنفيذها، ورغم ذلك لم يتم البت عما إذا كان وراء عملية باريس.

ويقول أيمن التميمي الخبير في الشؤون الجهادية “في المنظور الأوسع للأمور، يبدو أن البغدادي شخصية مهمة في صنع القرار ولكن اعتقد أنه ومثل باقي الحكومات، فإن هناك نوعا من الاستقلالية في صنع القرارات ممنوحة لدوائر أكثر محلية في مجالس حكومة التنظيم”.

أما هارلين غامبهير المحللة في معهد دراسة الحرب فقالت “على الأرجح فإن البغدادي لا يتولى إدارة تفاصيل كل هجوم يشنه التنظيم في الخارج. ومن المرجح أن قادة التنظيم يشنون حملات طبقا لرغبات البغدادي”.

وبرأيها فإن “تنظيم الدولة الإسلامية اختار على الأرجح استخدام مقاتلين أوروبيين لتنفيذ هجمات باريس لأن هؤلاء المقاتلين لهم علاقات مع شبكات متطرفة وإجرامية في بلدانهم تساعد على شراء الأسلحة وفي اللوجستيات الأخرى المطلوبة لشن عملية مثل هجمات باريس”.

مع العلم أن أبو بكر البغدادي يتزعم تنظيم الدولة الإسلامية منذ أعلن نفسه “خليفة” للمسلمين، وتتوزع المسؤوليات العسكرية والإدارية بين مسؤولين أقل رتبة.

وتوجد داخل تنظيم الدولة الإسلامية مجالس مسؤولة عن قطاعات من بينها التعليم والخدمات، كما يوجد للتنظيم قادة أمنيون معنيون بمناطق جغرافية محددة.

لكن الرجل الذي قاد القوات المسلحة البريطانية من عام 2010 إلى عام 2013، يرى أن هذا ليس سوى شعور بالرضا غير المحمود. فقد قال الجنرال ديفيد ريتشاردز في مهرجان في يونيو هذا العام إن الخطر وجودي، “ونحن بحاجة للتعامل مع قضية تطرف المسلمين هذه على نفس النحو الذي كنا سنتعامل به مع الحرب العالمية الثانية لو رجع بنا الزمن للثلاثينات”.

وفي كتاب نشر في الآونة الأخيرة قال إنه أبلغ رئيس الوزراء البريطاني بأنه تنقصه الشجاعة اللازمة للمبادرة بقتال الدولة الإسلامية، لأنه تتملكه رغبة مسيطرة في أن يظهر ليبراليا.

كابوس أسلحة الدمار الشامل

هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل ريتشاردز محقا وبايدن مخطئا:

* أولها كابوس ظل يطارد الساسة وأجهزة المخابرات على مدى حوالي ثلاثة عقود ويتمثل في أن دولا مارقة أو جماعات إرهابية ستحصل على أسلحة دمار شامل. ورد هذا في “مركز العاصفة”، مذكرات جورج تينيت مدير وكالة السي.آي.إيه، من 1996 إلى 2004. وقض هذا الكابوس مضاجع رؤساء متعاقبين من كلينتون إلى بوش إلى أوباما ودفعهم لتدخلات في الخارج ولاستخدام المكثف للطائرات بلا طيار وخلال رئاسة أوباما.

كما أنه جعل وكالة الأمن القومي “إن.إس.إيه” الآن صاحبة أكبر ميزانية في أي جهاز مخابرات في أي مكان بلا منافس. وهكذا أمكن رصد أول “ثرثرة” تكشف أن الكابوس تحول إلى دم ولحم. ربما كانت الدولة الإسلامية هي التنظيم الذي يجسد ذلك الكابوس نظرا لما لديها من مال يتيح لها شراء الخبرة اللازمة لصنع أسلحة دمار شامل.

ووجـد تحقيق استقصـائي أجـرته “الفاينانشال تايمز” الشهر الماضي أن داعش تدير في المناطق التي تسيطر عليها بالعراق “عملية واسعة تماثل تقريبا عمل شركة نفط حكومية، وتشغل عمالا مهرة من مهندسين إلى مدربين ومديرين وتنتج من 34 إلى 40 ألف برميل يوميا.

ويباع النفط بين 20 و45 دولارا للبرميل مما يدر على المتشددين 1.5 مليون دولار يوميا في المتوسط”. فإن نحن وضعنا المال إلى جانب الخبرة وفلسفة عدمية – إسلامية سنجد سلاحا من أسلحة قوة الدمار الهائل مصوبا إلى كل من الغرب والشرق.

* ثانيها، تمول الدولة الإسلامية زيادة كبيرة في قدرات حربها الإلكترونية. وقال جورج أوزبورن وزير المالية البريطاني يوم الثلاثاء إن “وحشية داعش المولعة بالقتل يدعمها عنصر رقمي قوي. وبينما يستخدم كثيرون جدا الإنترنت لتعزيز الحريات وإضفاء القيم الليبرالية والإبداع على التعبير تستخدمه هي في الشر”.

والهجمات الإلكترونية التي يخطط لها خبراء تشفير يمكن أن تعطل أنظمة ترتبط بالصحة والطاقة ومراقبة المرور الجوي ومحطات الطاقة النووية وغيرها كثير، والتكلفة البشرية يمكن أن تصبح سريعا بعشرات الآلاف إن جرى التنسيق لها عن كثب.

* ثالثها، أن داعش يملك أكثر من أي جماعة أخرى من الجماعات الإسلامية القدرة على اجتذاب أعداد ضخمة من المسلمين الشبان -بنين وبنات- إلى سوريا والعراق للقتال معه أو للبقاء في البلدان التي ولدوا فيها، ويصبحون أعداء لهذه الدول داخل هذه الدول.

ويبدو أن إغراء الموت والقتل و”الثأر” عنصر جذب قوي، يزداد تضخما فيما يبدو بالساعات التي قضاها كثير من الجهاديين الشبان أمام شاشة تمتلئ بصور “الصليبيين” واليهود وهم يقتلون مسلمين.

وهكذا تكون هناك شبكة مؤيدين يمكن أن تكون نشطة في معظم البلدان الغربية، إما تشربت بالأفكار المتطرفة أو كانت أهدافا مستقبلية لتشرب الأفكار المتطرفة. وما من سبيل -خارج دولة شمولية مغلقة- لمراقبتهم جميعا طوال الوقت.

ضمانات المجتمع الديمقراطي

وضمانات المجتمع الديمقراطي الخاضع لحكم القانون تضع حدودا، حيث قال عضو بالمديرية العامة للأمن الداخلي بفرنسا لجاك فولورو الصحفي في لوموند “عليك أن تضع أولويات. إذا لم يكن الفتية قد ارتكبوا أي جريمة فمن العسير تبرير تسجيل أحاديثهم الهاتفية. ليس بوسعك أن تضع أناسا لا تملك ضدهم دليلا تحت المراقبة 24 ساعة”.

وهذه ليست كأي حرب أخرى كما أن أسلحتها ليست كأسلحة الحروب السابقة. وتقف القوة الروسية في مواجهة الدولة الإسلامية إلى جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية الآن.

وبمقدور هذه القوى بجيوشها وما أوتيت من تكنولوجيا مخابراتية أن تدمر قوة تسعى لهدم حضارة القرن الحادي والعشرين وإحلالها بسلطة دينية من سلطات القرون الوسطى. لكن يصب في صالح أنصار هذه السلطة الدينية عزوف مجتمعات الغرب الليبرالية الاستهلاكية عن الاستعداد للحرب أو إحاطة نفسها بأنظمة أمنية جديدة تكبل حرية الحركة والترفيه أو تقييد المعايير الليبرالية التي تعتبرها لا غنى عنها.

كما يصب في صالحهم كراهية متأصلة تصل إلى حد جعل شبان يسيرون بين جثث شبان آخرين وشابات ويطلقون النار على من يتحرك منهم ثم يفجرون أنفسهم. ويصب في صالحهم عدم إدراكنا لمدى الخطورة التي يبدون عليها.

اقرأ أيضا:

تمويل داعش يقضّ مضاجع الدول الكبرى

داعش يصدر 50 ألف برميل من النفط يوميا

7