داعش دمّرت تمثال صاحب مبدأ "اضرب قبل أن تُضرب" واتبعت خطاه

السبت 2014/06/28
الملك آشور ناصر بعل الثاني واجتياح محور الموصل الجزيرة

حكم بلاده أكثر من ربع قرن، نُقل اسمه بخمسة ألفاظ مختلفة، كان سفاحاً وفاتحاً مرعباً. ورث دولة كبيرة عن والده وأجداده فأحالها إمبراطورية مترامية الأطراف. بسط سلطانه إلى البحر المتوسط، وأرغم المدن الساحلية الفينيقية على دفع الجزية له. عمل على إصلاح إدارة الدولة وتقوية الجيش.

اتخذ مدينة “كالح” التي عرفت باسم “نمرود” جنوب الموصل عاصمة له، وبنى فيها قصراً منيفاً. هكذا كتب عن نفسه عبر حوليات آشورية وثقت تلك الفترة. خرج على رأس جيوشه التي ورثها عن أبيه فاتحاً شمالاً ثم شرقاً. بعد أن طاب له المقام ولقي الدعم والترحاب من بلاده الجديدة التي غذاها بآشوريين مخلصين توجه غرباً. عبر دجلة ومن ثم الفرات بفروعه. على الضفاف الجديدة للدولة القوية لم يلق كثير مقاومة بل أطاعه الأمراء ودفعوا له الجزية.


آشور لم يحم ولده


إنه الملك “آشور ناصر بعل الثاني” الذي يعني اسمه “الإله آشور يحمي ولده ووريثه”. والذي ملك إمبراطورية آشور من الفترة 881 ق.م إلى 859 ق.م. سن سنةُ عسكرية ثبتها وخلفاؤه من بعده تقول “اضرب قبل أن تُضرب وهاجم قبل أن تُهاجم وأجعل تنكيلك بأقرب خصومك عبرة يخشاها بقية أعدائك”. ربما لم يتوقع الملك المظفر بأن تماثيله التي خلفها خلال فتوحاته ستنال نصيبا من سنّته هذه. البداية كانت بسرقة التماثيل الآشورية التي احتوتها مدينة “شاديكاني” القابعة تحت تل عجاجة 30 كلم جنوب مدينة الحسكة في الشمال الشرقي من سوريا. والنهاية كانت باكتشاف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” لهذه التماثيل وتدمير أحدها على الأقل.

مطارق «داعش» دمرت ما طالت يمينها، ولصوص التراث باعوا ما كشفت معاولهم. واكتفى نظام الأسد ممثلا بالمديرية العامة للآثار والمتاحف بإعلان الخبر وإتباعه بعبارة 'تعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف على التواصل مع جميع الجهات المعنية والمنظمات الدولية كالإنتربول وغيرها لمحاولة استرجاع هذه القطع'

جاء ذكر مدينة “شاديكاني” في حوليات الملوك الآشوريين في القرن الحادي عشر ق.م، والقرن التاسع ق.م. وكانت يومها إحدى المدن المهمة على نهر الخابور أحد فروع نهر الفرات. توقف فيها آشور ناصر بعل الثاني عندما كان يحكمها موشيزب – نينورتا، وأخذ الجزية من حاكمها كما كان يأخذها من والده سابقاً. كشفت الحفريات في تل عجاجة الذي يغطي المدينة متكأ على الضفة اليمنى لنهر الخابور مرتفعاً لنحو 283 متراً عن سطح البحر ومتخذاً شكلاً بيضوياً تقريباً أبعاده 1.8 كلم شمال شرق و1 كلم شرق غرب، كشفت تماثيل آشورية لثور مجنح وتمثالاً لأحد القادة الآشوريين ربما يكون لآشور ناصر بعل الثاني الذي اعتاد على نحت تماثيل له في المدن التي يفتحها ليسجل عليها انتصاراته.


"شاديكاني" مدينة العصور الثلاثة


أول من بدأ العمل في موقع تل عجاجة هو الباحث الإنكليزي “أوستن هنري لايارد” الذي كان يعمل في موقع “نمرود” وذلك عندما ورده نبأ اكتشاف تمثالين كبيرين في التل، ما دعاه إلى تنظيم حملة استكشافية في ربيع عام 1850، حيث أجرى في التل سبرين طوليين، عثر من خلالهما على بقايا قصر آشوري، وعدد من التماثيل كالثور المجنّح، وكؤوس عليها نقوش، وخمس منحوتات تمثل ثلاثة ثيران لها رأس إنسان وتمثال لسبع وجنيّ، قادت تلك الشواهد إلى اعتقاد العلماء بأن هذا التل يخفي في ثناياه مدينة “شاديكاني” التي ورد ذكرها في سجلات الملوك الآشوريين. عملية التنقيب التي استمرت أسبوعين فقط، وكشفت كل ما سبق تبعتها مجموعة واسعة من الأعمال في أعوام 1982 و1984 و1989 حيث أجرت المديرية العامة للآثار والمتاحف تنقيبات أثرية عثر فيها على تماثيل ومنحوتات أخرى جديدة كانت خارج نطاق المكان الذي نقب فيه سابقاً.

وبحسب تقارير المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية فإن اكتشافات البعثة الأثرية السورية التي رئسها أسعد محمود أكدت أن الموقع مر بثلاث مراحل، احتوت على 19 طبقة أثرية ساعدت في تحديدها الكسر الفخارية المكتشفة في كل طبقة، كما تبين أن المرحلة الأولى تعود إلى فترة الحضارة العربية الإسلامية وهي الطبقات الثماني الأولى “1- 8”، أما المرحلة الثانية فتعود إلى فترة الحضارة “البيزنطية” وتم تحديدها بالطبقات “9- 16”، والمرحلة الثالثة تعود إلى فترة الحضارة الآشورية الحديثة في القرن التاسع قبل الميلاد وقد تبين هذا من خلال الطبقتين الأخيرتين “17-19”.

تلك الطبقات دلت على استمرار السكن في المدينة خلال العصور الرومانية والبيزنطية، لكن اسم المدينة في هذه الفترة ما يزال مجهولاً، علماً أنها أخذت اسم مدينة “عربان” في العهود العربية الإسلامية، وتدل المصادر في العصر العباسي على أنها كانت من المدن المهمة، وكانت تشتهر بأقطانها وصناعة الثياب، ولها سور واسع، وشيّد فيها نور الدين الزنكي جسراً لاجتياز الخابور، هُدمَ لاحقاً، ولازالت بعض حجارته في النهر.

أدوات آشور ناصر بعل البدائية لا تشبه ولا تقارن بأدوات بشار الأسد اليوم لا من حيث وحشيتها ولا من حيث تقنيتها فالأول حاصر مدن أعدائه لا شعبه أما الثاني فحاصر مدن شعبه. الأول قتل المانعين لامتداد إمبراطوريته والثاني قتل من عارض ظلمه

وبحسب الموسوعة العربية الميسرة أظهرت التنقيبات في السوية الثالثة والتي تعود إلى العصر الآشوري الحديث، مدخل القصر الذي كان مشيداً فوق مصطبة بُنيت بتربة حمراء مدكوكة ومتماسكة، وبداخله المنحوتات الكبيرة المسماة لاماسو، ويؤدي المدخل إلى غرفة أولى تتبعها غرفة ثانية رصفتا ببلاط من الآجر المشوي، تخترقهما قناة لتصريف المياه. وقد وضعت منحوتات اللاماسو على جانبي المدخل، وهي على شكل ثور مجنح برأس إنسان واقف، كذلك هناك منحوتتان تزينان جانبي مدخل الغرفة الثانية، وتدل هذه المنحوتات على الرهبة والعظمة في نفس كل من يدخل إلى القصر. وعلى جدران المدخل عثر على بعض المنحوتات النافرة المصنعة أيضاً من الحجر الكلسي والمسماة أورتوستات، وهي تشكل مع تماثيل اللاماسو وحدة هندسية معمارية متكاملة استعملت في بناء القصور التي كانت في شمالي سوريا وقصور الآشوريين في العراق، وهي تزين الجدار وتحميه وتدعمه.

وقد تعددت موضوعات الأورتوستات التي عثر عليها في تل عجاجة، مثل اللوحة النافرة الكلسية التي تمثل ثوراً مجنحاً يقف بحركة رشيقة أمام شجرة الحياة، ولوحة نافرة أخرى تمثل طير العقاب الأسطوري بجسم إنسان يحمل ثمرة صنوبر ووعاء، وفوقه رموز الإله شمس وقمر وعشتار، ولوحة نافرة أخرى لأسد فاغر الفم، ولوحة نادرة تمثل إلهاً واقفاً يمسك بيده زهرة اللوتس ويحمل ماعزاً بيده الأخرى وهي إحدى المنحوتات التي ظهرت بالصور التي بثتها المديرة العامة للآثار والمتاحف للقطع التي سرقت والتي في الختام وقعت بيد “داعش” وكان مصيرها التدمير.


إبادة ثقافية


تلك المدينة المذهلة والعامرة والتي بقيت تقارع الصعاب والغزاة ثلاثة عصور متتالية لم تسلم بقاياها من أيدي اللصوص ككثير من المواقع الأثرية السورية في منطقة الخابور وحوض دجلة – الفرات. مطارق “داعش” دمرت ما طالت يمينها، ولصوص التراث باعوا ما كشفت معاولهم. واكتفى نظام الأسد ممثلا بالمديرية العامة للآثار والمتاحف بإعلان الخبر وإتباعه بعبارة “تعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف على التواصل مع جميع الجهات المعنية والمنظمات الدولية كالإنتربول وغيرها لمحاولة استرجاع هذه القطع”. قطع سبقتها قطع ولقى أثرية عديدة إلى الأسواق السوداء وأخرى لقيت حتفها على يد عناصر “داعش” أو بالبراميل المتفجرة والصواريخ التي استخدمها النظام لدخول المدن ودكها على رؤوس قاطنيها الحاضرين والغابرين.

الحفريات غير المشروعة التي طالت تل عجاجة في نيسان المنصرم، سبقتها حفريات سرية في موقع تل جولمة فوقاني الأثري والذي يقع على بعد 40 كم شمال مدينة الحسكة و15 كم غرب موقع تل شاغر بازار، وبحسب الجمعية السورية لحماية الآثار فإن الحفريات شملت عدة مناطق من التل الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد. حفر لصوص الآثار بعمق يصل في بعض الأحيان إلى مترين وكشفوا عدداً من الجدران ودرجاً حجرياً. وفي تل طرطب قرب القامشلي تمركزت راجمة صواريخ على التل الأثري ما يعني تحضيره للتدمير أو النهب.

تُعاد التجربة الدموية من جديد فالملك الآشوري حاصر مدنا وقرى وأزال من الخارطة أمراء وحكاما وأخضع البقية الباقية في جواره لسطوته. فتح المناطق الجبلية الشمالية الشرقية ووطد الأمن واستولى على موانئ فينيقية وبعض المدن الآرامية ومنها دمشق، وفي عام 876 ق.م توجه نحو قرقميش وطلب المرور ولم يقاوم ملكها وقبل أن يدفع إتاوة كبيرة وعبر الجيش الأشوري الفرات واخترق سوريا إلى الساحل وقد نهجت الممالك الحثيّة الأخرى نهج قرقميش وبعد ذلك عبر العاهل الآشوري نهر العاصي ودخل لبنان ونزل إلى البحر المتوسط دون مقاومة وهناك تلقّى خضوع المدن الفينيقية حوالي 876 ق.م.

وأرغمها على أن تدفع الجزية وأقام بهذه المناسبة لوحة تذكارية عند نهر الكلب شمالي بيروت كتب عليها و”هنا عند نهر الكلب تلقّى العاهل الأشوري هدايا “عمرى” ملك إسرائيل” وهكذا ولأول مرة منذ عهد “تجلات بلاسر الأول” يصل ملك أشوري إلى البحر المتوسط ويتلقى الجزية من عدد من المدن الفينيقية. ويقضي على كل مقاومة في طريقه مع قيامه بصيد النعام والثيران البرية في طريقه وهذه كانت ما تزال منتشرة في الصحراء السورية في ذلك الزمن.

زمن آشور ناصر بعل الثاني حمل الكثير من الدماء والقتل والترهيب والترحيل والتدمير للمدن واستخدم سياسة توطينية خطيرة ذكرت في حولياته حيث كان يوطن الأشوريون في المدن المفتوحة ليصبحوا سادتها والمنتفعين بخيراتها وليخمدوا نشاط زعمائها ويكونوا عيوناً عليهم لدولتهم، وإن كانت عملية توطين الآشوريون في المدن المفتوحة فكرة عمل بها الآشوريون قبل عهد آشور ناصر بعل الثاني.

لم يكن عهد آشور عسكريا بأسره بل شمل كذلك جوانب حضارية من أهمها بناء مدينة «كالح» التجارية والتي تحولت إلى خرائب بعد أن حظيت بموقع استراتيجي وبنى آشور ناصر بعل فيها أبنية رائعة مع أنظمة للصرف الصحي وزرع فيها الحدائق وأسكن فيها شعوباً من مختلف أنحاء الإمبراطورية ليجعلها مدينة عالمية حقاً

وبالطبع لم يكن عهد آشور عسكرياً بأسره بل شمل كذلك جوانب حضارية لعل من أهمها بناء مدينة تجارية وهي مدينة “كالح” والتي تحولت إلى خرائب وقد كان لها الموقع الاستراتيجي وبنى فيها أبنية رائعة مع أنظمة للصرف الصحي وزرع فيها الحدائق وأسكن فيها شعوباً من مختلف أنحاء الإمبراطورية وجعلها مدينة عالمية حقاً، دشنها بإقامة وليمة دامت أسبوعاً كاملاً وقد سجل هذا العمل في نقشً كامل ذُكر فيه حتى قائمة المأكولات، آشور ناصر بعل الذي أسس كل هذا العمار والخراب بأن لقي حتفه رمزا بعد 3000 عام على أيدي مسلحي تنظيم لا يتقنون إلا القتل والتدمير.


معول وبرميل


تتشابه الصور بالحصار والقتال واستخدام أسلحة محدثة للقضاء على الخصوم. لكن الفوارق كبيرة بين آشور ناصر بعل الثاني. وبين من يدعي حماية أحفاده اليوم. آشور كان سفاحاً بحسب حولياته فقد استهل عهده بتجديد شامل للنظم العسكرية. كون جيشاً جديداً ومتطوراً شكل فيه سلاح المشاة من الجنود الآشوريون. اعتمد سلاح العربات إلى حد كبير على فرسان من الحلفاء وعن طريق هذين السلاحين انبثق فن حصار المدن. حصار تطلب تزويد الجيش بآلات حربية أشبه بالدبابات في الجيوش الحديثة. اعتمد تصميم هذه الآلات أساساً على معول لهدم الأسوار أشبه ما يكون بمدفع ثبت في هيكل مغطى بمواد مختلفة ووضع الهيكل بأكمله فوق عجلات تراوحت بين أربع أو ست عجلات. أدوات آشور البدائية لا تشبه ولا تقارن بأدوات بشار الأسد اليوم لا من حيث وحشيتها ولا من حيث تقنيتها. فالأول حاصر مدن أعدائه لا شعبه أم الثاني فحاصر مدن شعبه. الأول قتل المانعين لامتداد إمبراطوريته. الثاني قتل من عارض ظلمه. تتشابه العقلية وتختلف الأدوات والضحايا ولكن النهايات حتما واحدة.

12