داعش سرطان الفتنة الطائفية وصنيعة المخابرات الأجنبية

ظاهرة تنظيم داعش تستدعي من الباحثين والدارسين مزيد دراسة تشكيلات هذا التنظيم واستراتيجياته، ذلك أن التمدد الذي شهده داعش في العراق وسوريا وامتلاكه لشتى أنواع الأسلحة، يضع علامات الاستفهام حول تمويلاته وقياداته وطرق انتشاره وتجنيده لمقاتليه وهذا يتطلب مراكز للبحث والدراسات من أجل استشراف تحولاته وغاياته.
الأربعاء 2015/06/17
الحركات الجهادية مشاريع تلتحف بالدين لتقسيم الأوطان وصناعة استخباراتية بامتياز

لم تعد قضايا الإرهاب ونشوء الجماعات الإرهابية في منطقتنا ممّا يستهان به، ويخضع للعلاج كحالات أمنية فردية نابعة من ضلال بضع أفراد، ولكل قضية معالجاتها والبحث عن فاعليها لتقديمهم إلى العدالة، للقصاص ممّا ارتكبته أيديهم من جرائم بحق أمن الناس والوطن، كما أن عمليات الإرهابيين لم تعد عمليات عنف محدودة لا هدف لها إلا زعزعة الأمن وإثارة الرعب بين الناس.

فمنذ أن طور داعش مشروع القاعدة وحوله من محاربة المصالح الأميركية والأجنبية إلى مشروع إقامة دولة خلافة، ورفع شعار “باقية وتتمدد” حتى صار موضوع الإرهاب أكثر من جرائم متفرقة لا هدف استراتيجيا لها.

لقد تحول الإرهاب إلى مشروع دولة، لتحقيق أحلام الكثير من الباحثين عن فرصة لحياة أفضل، في ظل مفاهيم ناقصة وخاطئة عن الإسلام والجهاد.

لقد درس المستشرقون الأوروبيون تاريخ الأديان في الشرق الأوسط، ومنها الدين الإسلامي، وعرفوا أن الدين سلطة روحية ومادية مؤثرة في هذه البلدان، ومن يستطيع أن يسيطر على رجال الدين ووعاظه يملك البلاد، ويستطيع أن يسيطر على الرعية، وذلك كان قبل مجيء المستعمر الأوروبي إلى المناطق المستعمرة، بفترة طويلة، ولم يكن المستعمرون غير عارفين بأهمية تلك البحوث التي وضعها هؤلاء المستشرقون عن عقائدنا وأحوالنا.

فلذلك لم يتركوا وسيلة لشراء ذمم رجال الدين ليعملوا لصالحهم حين وفدوا بجيوشهم، فشجعوا على خلق اختلافات فكرية وعقائدية بين سكان مستعمراتهم، فكلما حدث على سبيل المثال تقارب بين الهندوس والمسلمين في الهند ذبحوا بقرة ليعيدوا الاقتتال بينهم، وكلما هدأ الهندوس وتقاربوا مع المسلمين بعث المستعمر من يحرق مسجداً للمسلمين أو حياً لهم، وبذلك يعيدون الفتنة، وكذلك فعلوا بين المسيحيين العرب والمسلمين وبين المسلمين واليهود قبل الضغط عليهم بمختلف الوسائل ليتركوا أوطانهم ويهاجروا إلى فلسطين، وشجعوا الاختلاف بين المذاهب الإسلامية ذاتها، فشجعوا التطرف بين متبعيها وخلقوا الفتن بينهم.

ولن نتحدث هنا عن فتن “السفارة المهدوية” لدى الطائفة الشيعية، فبين فترة وأخرى كانت مخابرات الدول المُستعمرة تسعى إلى تجنيد رجل دين من هذه الطائفة أو من خارجها، وإمداده بجميع الوسائل المادية والمعنوية ليعلن أنه سفير المهدي المنتظر أو أنه المهدي ذاته، ويقتتل أفراد الطائفة من المسلمين، فمنهم من يكون معه، ومنهم من يكون ضده.

الدول الإسلامية في حاجة ماسة الآن إلى مراكز بحوث دراسية، تضم الآلاف من المتخصصين بمختلف العلوم لدراسة الداعشية، وغيرها من الحركات المشبوهة التي جاءت لتزيد من انقسام الأمة الإسلامية
ولنا من شواهد التأريخ الشيعي في إيران والعراق الكثير، آخرها في إيران بإدعاء علي محمد الشيرازي، المعروف بالباب عام 1845 بأنه المهدي المنتظر، وإدعاء كاظم عبدالزهرة، وجماعته الذين سماهم بجند السماء في منطقة الزركة بالنجف الأشرف بالعراق عام 2007 بالمهدوية لزرع الفتنة وتشتيت جهود الأمة في إخراج المحتل من البلاد سواء في إيران، التي كانت أجزاء منها محتلة من قبل الروس والإنكليز، والعراق الذي كان محتلا من قبل الجيش الأميركي منذ 2003.

الدول الإسلامية في حاجة ماسة الآن إلى مراكز بحوث دراسية، تضم الآلاف من المتخصصين بمختلف العلوم لدراسة الداعشية، وغيرها من الحركات المشبوهة التي جاءت لتزيد من انقسام الأمة الإسلامية، ومعرفة خطوطها التسليحية ومصادر تمويلها وتفصيلات عن حياة مؤسسيها، فهي قبل أن تكون حركة سياسية عنيفة، هي طريقة تفكير واعتقاد وحياة، ودراستها وغيرها، من حيث المنشأ والحياة الفكرية لمنشئيها وأبرز رجالها، وتوثيق أعمالهم الإرهابية بالصوت والصورة والوثيقة المكتوبة.

إضافة إلى وضع الخرائط اللازمة الجيوسياسية لهذا التنظيم ومناطق انتشاره وتأثيره، ودراسة إمكانيات تحوله إلى تنظيم جديد، فالداعشية تنظيم قابل للتحول والتغير والتمظهر بشكل آخر في كل فترة، وحسب الظروف التي يتيحها له الواقع، وهو بالنتيجة وبعيدا عن نظرية المؤامرة صنيعة مخابرات دول استعمارية هدفت بشكل أساسي إلى إشغال المنطقة بفتن داخلية وصراعات دموية لتحرق فيها الأخضر واليابس، وخلال تلك الفتن والاضطرابات تستطيع هذه الدول بيع سلاحها وتصريف ما لديها من ترسانات عتاد مضى على تصنيعها وخزنها سنوات كثيرة، وتوطيد تأثيرها في تلك الدول.

وفي لجة العنف والعنف المضاد تحصل هذه الدول على النفط زهيد الثمن، ومعه ازدياد العنف في مناطقنا، والذي يبدد أيّ أمل في نهضة حقيقة قريبة في بلداننا، وتقديم خلاصات دراساتها إلى أصحاب القرار السياسي والعسكري، وتوجيه جميع أبناء الأمة للعمل بيد واحدة لدحر هذه الخلايا السرطانية، التي تشكلت ككيان ضم جزءا كبيرا من أراضي الدولتين العراق وسوريا، ولا تزال تتمدد في ليبيا وفي القارة الأفريقية، وأخذت فتنتها تفتك بالأمة، وتعمل على إعادتها إلى القرون الوسطى قرون التخلف والظلام.
13