"داعش" طوق نجاة للمالكي

الجمعة 2014/06/13

ما يحدث في العراق من «حرب» بين نظام نوري المالكي، وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام عصيّ على الفهم والتفكيك. عسر نابع من تداخل الأبعاد السياسية والطائفية والدينية والإقليمية، ولا تغيب الدوافع الاقتصادية لتزيد الأحجية تعقدا.

ضرورية العودة إلى تبين طرفي النزاع وبحث أهدافهما وغاياتهما ودوافعهما. نظام نوري المالكي بــ”دولة قانونه” صنيعة أميركية، هذا ثابت، باعتباره وزمرة من حكام العراق الجدد جاؤوا على “صهوات” الدبابات الأميركية منذ لحظة 2003. الدولة الإسلامية في العراق والشام، سليلة تنظيم القاعدة الأممي العالمي، صنيعة أميركية وتعزز وجودها منذ مفصل 2003 العراقي.

الطرف الأول، كما الطرف الثاني، ينطلقان من ذات المشروع الكبير أي الإسلام السياسي، يتفقان في الحلم البعيد (دولة للخلافة أو دولة للإسلام أو غيرها من عناوين شتى) ويختلفان في التشخيص أو في طرق الوصول، مع فارق آخر يقوم على إضافة جرعة من الطائفية. نظام المالكي و”دولة قانونه” (وهي أداة تحيله السياسية إذ يوهم عبرها بدولة وبقانون) أصّل إسلامه السياسي في إطار طائفي مقيت، حوّل الطائفة (بعد انتمائي مقبول) إلى طائفية (الغلوّ في الانتماء إلى الطائفة) ليقدم منتجه النهائي: إسلامه السياسي الشيعي، وتصبح «ولاية الفقيه» المبدأ الحقيقي أما «دولة القانون» فشعار للتسويق أو للتحيل.

داعش لم تحرم نفسها من متعة إضافة الجرعة الطائفية، فزعمت الذود عن السنة ضد الشيعة. ولداعش دولتها التي تحنّ بها إلى «دولة الإسلام». لكنها حولت الطائفة إلى تعصب وغلوّ، ووفّرت أفعالها ما يكفي لترتقي بجدارة إلى مرتبة «الإرهاب».

الإسلام السياسي أيا كان مذاقه، شيعيا أم سنيا أو غير ذلك، طائفي بالضرورة. واتفاق بعض الفرق الإسلامية، المختلفة مذهبيا أو طائفيا، يكون عادة استراتيجيا، لكن خلافها يكون عادة تكتيكيا أو مرتبطا بتغير الظروف، أو بخصام الرعاة والداعمين.

هنا، كانت محاربة داعش لنظام المالكي في العراق هدية ثمينة لم يحلم بها. رئيس الوزراء العراقي الذي يتشبث بتلابيب السلطة والحكم، ولا يرى ضيرا في تقسيم العراق أو تقطيعه مقابل الحكم، كان يكابد منذ أشهر من أجل قمع معارضة واحتجاجات عمت أكثر من ست محافظات، وكان يتقن وصف الاعتصامات السلمية في الحويجة والأنبار بأنها معسكرات إرهابية وفساطيط جهاد ضد حكمه و”دولة قانونه”. وكان يكافح من أجل استدراج التيارات الشيعية لمساعدته على تشكيل الحكومة، وكان يتجشم عناء تبرير كل المصائب الاجتماعية والاقتصادية بأنه يواجه إرهابا من كل حدب وصوب. في هذه اللحظة من الإعياء المالكي، جاءت حرب داعش لتؤكدُ ما كان يروجه ويسوقه وما كان يستجدي به رضا رؤسائه القدامى (الأميركان) وولي فقيهه، وهو أنه يحارب إرهابا يمنعه من إرساء دولة القانون ومن الحفاظ على مصالحه ومصالحهم.

المالكي أو داعش لا يمثلان طرفي نقيض. كلاهما قادم من الزمن السياسي نفسه، وفرقتهما- فقط- المصالح أو الحسابات. لكن ما يحدث في الموصل وغيرها محرج للقراءات؛ من يعادي المشروع الطائفي القروسطي لنوري المالكي ليس ملزما بمناصرة المشروع الطائفي القروسطي لداعش. ومن يرى أن داعش تعبير نكوصي تجلى إرهابا في سوريا ويستعد لفتح فروعه في نواح أخرى، ليس مجبرا على الدفاع عن المالكي.

العراق ليس في حاجة لا لنظام على شاكلة نظام المالكي، ولا لتنظيم من قبيل داعش أو سواها. العراق يحتاج فقط من يستدعي مقولات الوطن دون غيرها. هنا يبدو المسار طويلا مضنيا، فاستدعاء الوطن دون الطائفة أو المذهب أو الدين او العرق لا يحتاج استبعاد داعش (وأمثالها) والمالكي (وأشباهه) بل يحتاج أيضا التنبه لمصنع إنتاج الطائفية المجاور، في إيران يحاك جزء كبير مما يحدث حاليا في الموصل وغيرها.

خلاصة القول، داعش قدمت طوق نجاة للمالكي، الذي كسب مزيدا من الوقت، ويمكنه التراجع والنكوص عن كل التزاماته وتعهداته وواجباته والحجة أنه يواجه إرهابا لا يبقي ولا يذر. ولعل هروب الجيش (أو انسحابه في روايات أخرى) من الموصل يمكن أن يكون تأكيدا على أن النظام بصدد «التمتع» بعربدة داعش في العراق، وليس مهما الثمن (مئات القتلى من الأبرياء وعشرات آلاف الهاربين إلى أماكن أكثر أمنا) طالما المقابل حكما وكرسيا يذودُ عنهما بكل ما أوتوا من قوة وتآمر.

الوضعية ليست تخييرا بين الاصطفاف مع المالكي الوكيل الإيراني في العراق، أو داعش التكفيرية. كلاهما يحملُ ذات المشروع لكن المذاق الطائفي أفسد الودّ. الرجعية تتصارع أحيانا، والأكيد أن تقويم العرج العراقي لا يمر عبر حلول مالكية أو داعشية.


كاتب صحفي تونسي

8