داعش ظاهرة قادرة على الاستنساخ

انتهى تنظيم داعش في العراق أو كاد، ويحاصر في أمكنة تواجده في سوريا، وتضيق عليه الأرض في ليبيا. عمليا وعسكريا لم يعد التنظيم قادرا على تحقيق الانتصارات أو حتى خوض المعارك بالطريقة التي تسمح له بالسيطرة على الأرض. حلم دولة الخلافة، بالمفهوم الداعشي، تلاشى ولم تبق منه إلا وعود بنصر موعود.
الاثنين 2017/07/10
انتصار الميدان لا يحجب خطورة استمرار الأفكار

داعش الظاهرة، ومنذ استيلائه على أراض شاسعة في العراق مثلت ثلثه، وإعلان أبي بكر البغدادي الخلافة من مسجد النوري في الموصل، رافقته الكثير من الألغاز المشفرة والتي، رغم المحاولات الصحافية الهاوية والمختصة، لم تفكّ طلاسمها بعد.

هل أن داعش ظاهرة دينية متشددة موغلة في الراديكالية؟ أم هو ظاهرة اجتماعية كانت ارتدادا للدكتاتورية والقسوة والتسلط التي رافقت غزو العراق داخليا وخارجيا، وبعده الثورة السورية والتي طوعتها القوى الإقليمية والعالمية حسب أجندات مختلفة حتى التنافر؟ أم هو ظاهرة سياسية لم تنكشف مسبباتها وأهدافها بعد، وربما تكون موضوعا تأريخيا دسما في العقود القادمة؟

الكل يهلل بتباشير النصر على داعش في العراق وخارجه. والكل يتحسس مرحلة ما بعد داعش، ويسطر خطوطها العريضة وتفاصيلها الدقيقة. الكل يسعى لاستثمار النصر كرصيد لمحطات انتخابية قادمة. في العراق أحزاب الطائفية، وعلى قدر ولائها لمنظومة ولاية الفقيه الإيرانية، ترفع شعارات النصر في تثبيت لنهج الميليشيات والتي يراد لها أن تكون فيصلا في الانتخابات وبالتالي في ملامح السياسة مستقبلا.

أما في سوريا فالمستثمر الأكثر حظوظا في ذلك هم الأكراد المدعومون أميركيا. ولا ننسى على الساحة السورية أن كل الأطراف المتداخلة في الحرب والسياسة تريد أيضا أن توطد مواطئ أقدامها وتطرح نفسها على أنها مساهمة فعليا في دحر تنظيم الدواعش والقضاء على حلم الخلافة المزعومة.

ولم يطرح أي من هؤلاء الساسة والمتدخلين بأشكال شتى في عملية مناهضة داعش ومحاربة الإرهاب، السؤال الأهم: هل ينتهي داعش بمجرد الانتصار عليه عسكريا؟ وهل الانتصارات العسكرية قادرة على إنهاء التنظيم كفكرة ثم كقناعة؟

ظاهريا الكل يبدو محاربا لداعش، العرب والأميركان والروس والإيرانيون والأتراك والأوروبيون، ولكن الجميع أيضا يتعاملون مع الظاهرة بالطريقة التي تخدم أجنداتهم

عملية تصنيف تنظيم داعش مضنية لأسباب موضوعية على رأسها البحث في المنطلقات التي أنتجت التنظيم. مثّل داعش الزر الذي داس عليه الفاعلون في السياسة العالمية ليؤججوا نار الاحتراب في منطقة شرق أوسطية شديدة الخصوصية لأسباب اقتصادية بما أنها خزان الثروات البترولية وسوق الاستثمارات الذي لا ينضب، ولأسباب سياسية بما أنها بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي، ومحطة صراع طائفي تستعر ناره تصاعديا بين الفرس وحلمهم بالهلال الشيعي وبين السنة العرب ودفاعهم عن أحقية امتلاك المنطقة بمرجعيات تاريخية لا يمكن دحضها.

آراء أخرى تذهب إلى أن داعش ولد من رحم التيارات الجهادية وعلى رأسها تنظيم القاعدة والذي انحسر تأثيره بسبب الضربات التي تلقاها في أفغانستان وفي العراق وفي الصحراء الأفريقية.

ثورات الربيع العربي فسحت المجال لتنظيم داعش بالظهور العلني والتمكن من الأرض لبناء نواة انطلاقته نحو التوسع. ظاهريا الكل يبدو محاربا لداعش؛ العرب والأميركان والروس والإيرانيون والأتراك والأوروبيون، ولكن الجميع أيضا يتعاملون مع الظاهرة بالطريقة التي تخدم أجنداتهم، وبقيت العملية بين شد وجذب في صراع محموم من أجل المحافظة على المواقع. داعش عدو الجميع ولكنهم لا يتساوون في محاربته.

داعش مثل أيضا بعبع الاتهام بالانتماء، أهل الموصل والأنبار جلهم إن لم نقل كلهم في قفص الاتهام، وما يعانونه من تهميش ومتابعات دون أدلة من الأجهزة الأمنية أو من ميليشيات الحشد الشعبي، حتى أن عضو المجلس المحلي للأنبار راجع بركات العيفان طالب بـ”إعلان الأنبار إقليما مستقلا” لأن “الأنباريين يعاملون معاملة من الدرجة العاشرة”. مثل داعش في انتشاره وفي انكفائه أداة للفرقة غارت جراحها وليس من السهل أن تندمل بمجرد إعلان انتصار عسكري.

سؤال شديد الأهمية يطرحه البعض: هل أن داعش تنظيم عقائدي شأنه شأن تنظيم القاعدة الذي يمتلك مرجعياته الفكرية ومنظريه؟ الجواب الموضوعي هو أن داعش ليس تنظيما عقائديا والدليل على ذلك أن أكبر نسبة من منخرطيه ومقاتليه من تونس مثلا والتي يسودها إسلام سني مالكي معتدل ولا وجود لأبجديات الفكر الجهادي في بنية العقل التونسي إضافة إلى الطبيعة الليبرالية لحياة التونسيين.

اعتمد داعش على أمرين في استقطابه، أولهما القوة المالية التي يمتلكها والتي يغري بها الشباب التائه الناقم على أوضاعه الاجتماعية المتردية والباحث عن النجاة التي يقدمها داعش بأيسر الطرق، فالكثير من المنتمين إلى داعش كانوا أصحاب سوابق عدلية ومجرمين وخريجي سجون وفنانين وأصحاب شهائد عليا عاطلين عن العمل.

أما الثاني فتوظيف الترسانة الإعلامية التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة أيضا عبر الاستعراض من ناحية تنفيذ الإعدامات العلنية، وعبر الإغراء المالي والجنسي.

انطلاقا مما أشرنا إليه لا يعدو مقاتلو داعش سوى مرتزقة، والمرتزقة لا عقيدة لها. هذه النقطة بالذات تمثل مفتاح مرحلة ما بعد الانتصارات العسكرية على داعش، فمحاربة داعش يجب أن تكون اجتماعية، من منطلق السهر على احتواء الشباب بنشر الفكر النقدي النير وبتوفير مصادر الرزق والعيش الكريم.

داعش ظاهرة سياسية حين يتم توظيفها بالدوس على الزر، وظاهرة دينية بإيغاله في التطرف وممارسة القتل، وظاهرة اجتماعية بأساليب استقطابه المتنوعة والقادرة على امتصاص سخط الشباب وحسن توظيف ذلك.

داعش الظاهرة لا يمكن أن ينتهي بمجرد إعلان الانتصار العسكري، وعلى جميع الذين يعلنون شعار "الاحتفال بانتهاء داعش"، الوعي بأن الحرب لا تزال رحاها دائرة. الفرقة هي التي ستسمح لداعش بالاستمرار. والخطر الأكبر أن يصير داعش تنظيما عقائديا له مرجعياته الفكرية التي تديم تواجده وتؤسس لمراحله المستقبلية.

13