داعش في البلقان: تقدم التطرف نحو أوروبا أو الهروب إلى الأمام

الأربعاء 2014/10/01
مقاتل من أصول بلقانية يقوم بتصوير استعراض لعناصر إرهابية لداعش في منطقة الرقة التي يسيطرون عليها شمال سوريا

باريس - تظهر المعطيات الدولية الأخيرة حول انتشار المتشددين الإسلاميين على المستوى الجغرافي والدولي، أن دول البلقان تساهم بشكل فعال في توفير الرصيد البشري والأيديولوجي للجماعات الإرهابية الناشطة خاصة في منطقة الشرق الأوسط أهمها ما يسمى بالدولة الإسلامية. وبعد أن تم القبض مرارا على أعضاء نافذين في تنظيمي النصرة وداعش في كل من كوسوفو وألبانيا والبوسنة، أضحت منطقة البلقان محط أنظار جميع أجهزة الأمن والاستخبارات الدولية والأوروبية، وذلك في إطار تضييق الخناق المالي والتنظيمي والبشري على خلايا الإرهاب وفق التوجهات العربية والدولية للقضاء عليه.

وجه القضاء الفرنسي في الأيام الماضية إلى ثلاثة إسلاميين متطرفين فرنسيين عادوا من سوريا تهمة تشكيل “عصابة أشرار بغرض التحضير لأعمال إرهابية”، وأمر القاضي بإيداعهم السجن الاحترازي كما أفاد مصدر قضائي.

ومن بين هؤلاء المتهمين عبد الوهاب البغدادي، صهر الإسلامي المتشدد محمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز جنوب غرب فرنسا قبل مصرعه برصاص الشرطة سنة 2012. ومن بينهم أيضا عماد جبالي وهو صديق لمراح منذ طفولته، وسبق أن حكم عليه في فرنسا في قضية شبكة تجنيد مقاتلين إسلاميين متطرفين لإرسالهم إلى العراق في 2009، والثالث من أصول بلقانية.

وقد جذب وجود أحد أعضاء الخلية من أصول بلقانية الانتباه وذلك بعد تكرر عمليات الإيقاف والتحقيق مع العديد منهم على خلفية انتمائهم لمجموعات إرهابية تستهدف أوروبا خاصة. وتسعى دول البلقان بعد تواتر معلومات، إلى الحد من الزيادة المقلقة في أعداد المتطوعين للقتال في الشرق الأوسط والتي يغذيها وضع اقتصادي سيء جعل من المنطقة أرضا خصبة لتجنيد الجهاديين.

التعليم المتطرف جاء ليسد الفجوة الأيديولوجية التي نشأت عن تفكيك يوغوسلافيا من قبل أميركا دون أن تقدم بديلا معتدلا

وتعيد جل الدراسات التي تناولت مسألة تجنيد الشباب وسهولة استقطابهم وتجنيدهم لصالح شبكات الإرهاب سبب توسع عدد هذه الشبكات إلى القوة المالية الضخمة التي تمتلكها تنظيمات إرهابية مثل داعش. فقد بلغت ثروة هذا التنظيم حسب وكالات أمنية دولية مئات المليارات من الدولارات تم تكوينها من خلال أعمال السطو وبيع النفط بشكل غير شرعي وتجارة السلاح والفدية التي يتحصلون عليها بعد خطف الرهائن ودعم بعض شبكات الأعمال الفاسدة والإرهابية. وبالتالي فإن شبابا فقيرا مثل الشباب الذي يعيش في منطقة البلقان، سوف تسهل عملية كسبه وتجنيده عبر إغراء المال والثروة.

ويعيش أكثر من خمسة ملايين مسلم من إجمالي عدد السكان البالغ 20 مليونا، في البلدان التي كانت تشكل يوغوسلافيا السابقة وانهارت اقتصادياتها بفعل النزاعات الدامية المتلاحقة إبان التسعينات وكذلك في ألبانيا أكثر بلدان أوروبا فقرا. ويفيد تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) نقلته وسائل الإعلام المحلية، أن المئات من هؤلاء المقاتلين من كوسوفو وألبانيا انضموا إلى صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”، ليشكلوا المجموعة الرابعة بعد أولئك الذين التحقوا بالتنظيم الإسلامي المتطرف من الأردن والسعودية وتونس.

وفي السياق ذاته يقول بليريم لطيفي المختص في الشؤون الدينية في جامعة بريستينا، أن “كوسوفو التي استقلت عن صربيا في 2008 تعاني من أزمة سياسية عميقة مصحوبة بفساد متأصل يجعل الأفق مسدودا أمام الشباب”. ويضيف أن “عامل انعدام الفرص الاقتصادية أمام الشباب في كوسوفو على درجة كبيرة من الأهمية، وهذا العامل يترك الباب مفتوحا أمام الجماعات الظلامية لتعبئتهم أيديولوجيا”. وهذا ما يفسر جزءا من التحاق عدد كبير من الشباب اليائس بالجماعات الإرهابية في العالم وخاصة في سوريا والعراق.

وتفيد تقارير إعلامية محلية صادرة عن وسائل إعلام أن الاندفاع نحو التطرف “بجنون” إنما يعود إلى فقدان الأمل في الحياة واليأس، ولعل هذا الوضع يمثل نسخة أوروبية للوضع في شمال وغرب أفريقيا حيث الفقر والبطالة وتوفر عدد كبير من الشباب. ومن جهته، يقول فيسار دوريقي الصحافي المختص في القضايا المتصلة بالإسلام (والذي هدده إسلاميون متطرفون من كوسوفو أخيرا بقطع رأسه) “إن التعبئة الأيديولوجية والتجنيد يستهدفان الطبقات الأكثر فقرا بين السكان وخصوصا الطلبة”.

وتتأكد هذه المعلومات الواردة من خلال التقارير الإعلامية عندما يصدر الصحفي دوريقي تحقيقا مصورا عن مسار نمو التطرف في بلدان مثل ألبانيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفو. فقد أكد أن الأئمة الذين يشرفون على إمامة الناس في مساجد ريفية بعيدة وحتى في المدن الكبرى، إنما يتلقون دعما ماليا من الجماعات الإرهابية لترويج الفكر المتطرف، وذلك عبر إغراء الشباب بالمال وبيع الأحلام والتجنيد مقابل المال (وخاصة تجنيد النساء).

كوسوفو التي استقلت عن صربيا في 2008 تعاني من أزمة سياسية مصحوبة بفساد وفقر دفعا الشباب للإرهاب

ويقول الصحفي فيسار دوريقي أن “مهمة التجنيد توكل إلى أئمة مساجد متطرفين تلقوا تعليمهم في الغالب في دول عربية ويتم تمويل ذلك من الخارج. ويشكل طلبة المدارس الفقراء تربة خصبة للفكر السلفي المتعصب الذي يأملون من خلاله تحسين وضعهم الاجتماعي”.

وفي البوسنة، انضم مئات المقاتلين الإسلاميين إلى القوات المسلمة في البوسنة خلال الحرب الإثنية الطائفية بين العامين 1992 و 1995. وبعد انتهاء الحرب، تبنى عدد من مسلمي البوسنة، وهم في الأصل معتدلون، أفكارا وطريقة عيش متطرفة ومنغلقة نتيجة صدمة الحرب مع الصرب ولم تتم معالجة هذا الإشكال النفسي الاجتماعي من قبل السلطات التي تسلمت السلطة. والوضع مماثل في صربيا ومقدونيا وفي جل المناطق حيث يشكل المسلمون غالبية.

ويقول المستشرق داركو تاناسكوفيتش أن “البرامج الدينية المتطرفة جاءت لتسد الفجوة الأيديولوجية التي نشأت عن تفكيك يوغوسلافيا السابقة”. وهذا ما يعني أن القوى الكبرى الرأسمالية في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لم تتمكن من إقامة بديل أيديولوجي للنظام الذي كان قائما من قبل (نظام قومي شبه يساري) والذي كان يدين بالولاء إقليميا للاتحاد السوفييتي. وبالتالي فإن عملية تفكيك البنية السياسية والاجتماعية العامة في منطقة البلقان في بداية التسعينات بعد انهيار جدار برلين وسقوط الأنظمة الشيوعية لم تحمل في داخلها مشروعا بديلا ولم تعول القوى الكبرى “المنتصرة” على نخب ليبرالية موالية لها وبديلة. فذهب المجتمع مباشرة نحو التطرف الديني كشكل للحماية النفسية والاجتماعية.

ويضيف المستشرق ناتاسكوفيتش أن مسلمي البلقان الذين ينتمون إلى تيارات متشددة كانوا يشكلون ضمن يوغوسلافيا السابقة، جزءا من مجتمع “علماني إلى حد كبير”. ولكن الأمر تغير مع النزاع في البوسنة ومن ثم في كوسوفو الذي أتاح لعناصر متشددة وعلماء فقه متشددين ومقاتلين متطرفين الانتشار في المنطقة. ويحذر تاناسكوفيتش من أن هذه الحركات والتيارات يمكنها “في ظروف محددة أن تسبب اضطرابات خطيرة” في البلقان التي تشكل بالنسبة للإسلاميين المتطرفين “خاصرة ضعيفة يمكن من خلالها التحرك لضرب أوروبا.

وعبرت دول المنطقة عن رغبة قوية في التحرك لمواجهة التهديد المتنامي للإسلاميين المتطرفين من خلال حملات توقيف وتعديل قوانين العقوبات.

13