داعش في العراق: خطة أم خطأ

الجمعة 2014/06/13

لا ينتصر جيش دون شعب يحبه ويحتضنه، ولا يحمي شعب حريته واستقلاله وأرضه دون جيش حر موحد مهني محايد وجيد الإعداد والتدريب والتجهيز. ولأن نوري المالكي فقد الاثنين فقد تمكنت داعش من قلب موازين الوطن، وانتهاك هيبته وتدمير مؤسساته، والعبث بحياة شعبه ومصيره.

والجيش الذي كلف الوطن مئات المليارات من الدولارات، ويهرب قادته في أول نصف ساعة من المواجهة مع ميليشيات وعصابات، ويتركون المدنيين يحملون سلاح الجيش ويقاتلون نيابة عنه دفاعا عن الشرف والكرامة والأرض، لهو جيش لا يستحق لباسه العسكري ولا أن ينفق عليه بعد اليوم.

بعيدا عن مبدأ المؤامرة واتهام المالكي وإيران والأسد بتوفير الفرصة لداعش لاكتساح المنطقة العراقية الغربية المشاكسة، والمناطق الحدودية الشرقية السورية المحررة من قبل المعارضة، من أجل إذلالها لأنها أدمت أصابع النظام السوري، وأحرجت إيران، وهددت نوري المالكي وميليشياته المقاتلة في سوريا، ودعم المعتصمين العراقيين. ولكن تعالوا ندقق في عدد العصافير التي سقطت في حضن نوري المالكي بحجر داعش في حربها الكوميدية المضحكة المبكية الأخيرة.

أولا: أسقطت داعش جميع السياسيين السنة المناوئين لولاية ثالثة للمالكي والموالين أيضا، وجعلتهم كورق الشجر المتساقط الذي تعبث به الريح. فلن يعود لهم أي وزن ليضغطوا على التحالف الوطني ويجبروه على ترشيح بديل عن المالكي.

بداعش لم يعد لكثيرين من السياسيين السنة الذين انتفخوا في الفترات الماضية وجود على ساحة الفعل السياسي العراقي، حتى لو تم دحر داعش بقوات مالكية وإيرانية وأميركية. وذلك لأن المحافظات الست لن تعود كما كانت قبل الاجتياح مزارع محتكرة من قبل حفنة من تجار السياسية اللاهثين وراء المكاسب، بذريعة أنهم يمثلون الطائفة السنية، ويطالبون بـ”حصتها” في الحكومة. والمهم في الأمر أن المالكي لم يعد في حاجة إلى تلفيق ملفات جديدة لإسقاطهم، خصوصا بعد طردهم من مساقط رؤوسهم ذاتها، ولجوئهم إلى أربيل أو اسطنبول أو عمان.

ثانيا: بداعش أحرج المالكي منافسيه في التحالف الوطني، وكشف ظهورهم وحرمهم من ورقة التذرع بالرفض السني لولايته الثالثة. فلم تعد هناك قوى سنية يمكن أن يتحالف معها الحكيم والصدر ضده.

ثالثا: بداعش تحققت له محاصرة الإقليم، وإشغال القيادة الكردستانية بهموم جديدة أثقل وأخطر من صراعها مع الولاية الثالثة. وأصبح بإمكان المالكي، بوجود داعش على تخوم كردستان، أن يتخذ القرارات التي تناسبه وتزعج القادة الأكراد، وتعرقل المسيرة التنموية المزدهرة في الإقليم، وأن يجعل من كردستان سلة مهملاتٍ عراقية يرمي فيها بأقوى خصومه العرب السنة الألداء.

رابعا: تقطيع شرايين التواصل بين المعارضة السورية والمنطقة الغربية العراقية ومنع إمدادها بالرجال والسلاح والخبرات العسكرية الموجودة في المحافظات الغربية، وحرمانها من تواصلها مع العشائر العربية بين سوريا والعراق.

خامسا: بداعش، تم تدمير البنى التحتية في المحافظات الست وحرقُ المؤسسات، وتخريبُ المشاريع، وإهانة الزعماء والقادة الذين طالما هددوا بالزحف إلى بغداد باسم مظلومية الطائفة ومطالبها، كما تم تهجير الألاف من الأهالي، وأغلبُهم مؤيدون للمعارضة السورية، وحاقدون على المالكي وحكومته والاحتلال الإيراني. وأخيراً تم كسر عنفوان من تبقى من المدنيين، وشَغلهُم بالصراع من أجل البقاء. ثم بعد ذلك سوف يظهر المالكي وميليشياتُه، ومعه قاسم سليماني قائد فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني، محررين ومنقذين، فيحرقون بالبراميل المتفجرة والقنابل ما لم تُحرقه مدافعُ الداعشيين، وفي ذلك مزيد من الانتقام.

سادسا: باسم محاربة داعش وتحرير الموصل وتكريت وسامراء وغيرها لا يوجد أنفع للمالكي من إعلان الطوارئ وتسليح المواطنين المتطوعين لمحاربة “الإرهاب”. وطبعا لابد أن يكون أغلبُهم من ميليشيات بدر والعصائب وحزب الله العراقي إضافة لمن يُسمون بـ”سنة المالكي” الذين لا يقلون حقدا على “أشقائهم” شيوخ العشائر ورجال الدين الذين أفتوا بخروجهم على إرادة الطائفة. وهذا الشرخ الدامي والكراهية والثارات بين شيوخ عشائر الأنبار والموصل وصلاح الدين وجيوشهم يشفي غليل المالكي وقاسم سليماني، ويجعل الوجود الإيراني في العراق وسوريا ولبنان مريحاً إلى سنين طويلة.

سابعا: الآن وبعد أن وقعت الواقعة لا يشك أحد في صدق رغبة نوري المالكي في دحر عصابات داعش وتحرير المدن التي احتلتها جميعها. والسبب ليس وطنيا ولا أخلاقيا ولا خلافاً مبدئياً وفكريا مع داعش، ولا حتى طائفيا، بل هو شخصي محض، وحجر آخر يصيب به المالكي ثلاثة عصافير جديدة، أولها إعادة ضم المناطق المحتلة (المحررة) إلى جمهوريته، بعد أن كُسرت شوكتها وفقدت عنجهيتها وأصبحت أطوع له من خاتم في إصبعه يلعب بها كما يشاء.

والثاني مضاعفة التنكيل بخصومه أبناء المحافظات المنكوبة وذلك بتسفيه اتهاماتهم له بالتآمر مع داعش تارة، وبالتراخي تارة أخرى، لا بدعواته إلى النفير العام وتسليح المواطنين لتحرير المدن المحتلة فقط بل باتهامهم بأنهم تآمروا مع داعش وسهلوا احتلالها لإحراج الحكومة، والثالث إسقاط العصابات الداعشية في العراق قبل أن يوسوس لها غرورُها باجتياح بغداد أو كربلاء، ودق أبواب طويريج وتهجير أهلها كما هُجر غيرُهم من قبل.

وفي جميع الأحوال لا يمكن للمالكي الطامح إلى تأمين امبراطوريته ضد جميع الأخطار، أن يقبل بأن تكون جارتَه عصابات لا يضبطها خلق ولا عرف ولا قانون. والأهم أن مهمة داعش ستكون قد أنجزت، وانتهت مدة صلاحيتها وصار عليها أن ترحل.

ثامنا: بداعش تم خلقُ واقع جديد يقنع الغرب بأن الهلال السني العراقي السوري إرهابي من نوع فريد غير مألوف. فكل مواطنيه و(مجاهديه) وسياسييه قاعديون وداعشيون قطاعون للرؤوس. وبذلك ستبدو مواقفُ الجماهير العراقية وأحزابها وقواها الوطنية، والدول والمنظمات الدولية التي تدين إرهاب العصابات الداعشية، وكأنها تأييدٌ لسياسات المالكي ودعم لجهوده وقبول بوجود إيران في العراق وسوريا.

أما حكاية الاقتحامات المباغتة التي نفذتها داعش في الموصل وكركوك وتكريت، وسامراء، وتوقيتها العجيب الذي يطابق توقيت مأزق المالكي إزاء الدورة الثالثة، وسر الهروب المنظم والمريب لكبار قادة الجيش، وأوامرهم بإخلاء مواقع القوات الأمنية وترك أسلحتها الثقيلة والخفيفة، ودباباتها وحتى طائراتها، للقطعان الداعشية، فحديثها يطول.

ولكن ما ينبغي أن يقال هنا هو أن الشركاء في العملية السياسية المغشوشة، دون استثناء، يحصدون اليوم ما ظلوا يزرعونه من عشر سنين. فالمشكلة ليست في بقاء المالكي أو مجيء رئيس وزراء غيره من داخل البيت الشيعي، بل هي في النظام الذي أنتج هذه المآزق المتتابعة التي لا تنتهي إلا بخروج الوطن من أقفاص دولة الطوائف والكانتونات والإقطاعيات، ومن صراعات التحالف الوطني ودولة القانون ومتحدون والعربية والوطنية دون أي استثناء.

فتفرد المالكي بالسلطة، وتهميشه للمكونات العراقية الأخرى، واستخدامه سلطاته الأمنية للتنكيل بالمحافظات الغربية واستقصاد سياسييها، دون غيرهم، بالتهم والملفات، سواء كانت حقيقية أو ملفقة، خلق ذلك الانشطار الخطير بين الفصائل العراقية، وفتح الباب لتدخلات الدول الخارجية في موضوع الاعتصام، وتشجيعها على حمل السلاح وضم مسلحي داعش إلى ما أسموه بـ”ثوار العشائر”، الأمر الذي هيأ الفرصة لنوري المالكي لاستخدام الجيش، والميليشيات الموالية له، في ضرب الفلوجة والرمادي، وقبلهما الحويجة، وإشعال نار حروب غبية تضرر فيها الوطن كله.

إن مسؤولية المالكي كبيرة في هذه المجازر، ولكن مسؤولية شيوخ عشائر الأنبار لا تقل عنها في خلخلة الوضع الأمني، وإحداث الفراغ الأمني وتوفير الحاضنة الشعبية لداعش والقاعدة وأيتام حزب البعث.

إن ما جرى ويجري في العراق لعبة مفبركة يصعب تصديق كون نجاحاتها من صنع حفنة فوضويين يرفعون رايات داعش. بل إن ما جرى في الرقة ودير الزور، ثم في الرمادي والفلوجة، وأخيرا في الموصل وكركوك وتكريت، لم يكن ليحدث، بهذه السرعة والدقة في التخطيط، لولا وجود قوى دولية خبيرة بمثل هذه الحروب تقف وراء ما حدث. والغريب الذي يحتاج إلى تفسير هو الموقف الأميركي الشاجب لمهزلة داعش في العراق. والأهم تصريح وزارة الخارجية الأميركية بأن ما يجري يهدد الأمن الدولي.

ومن حقنا أن نسأل، إذا كانت حكومة الولايات المتحدة، تعتبر داعش خطرا على مصالحها في المنطقة، فهل يعقل أن تتجرأ دويلة صغيرة كقطر على معاقبة أميركا وتخريب مصالحها فتموّل داعش وتضخ لها أفضل أنواع السلاح وأكثره تقدما وفاعلية؟

فهل ما حققته داعش في العراق خطة دولية مبيتة، أم هو نتيجة أخطاء متراكمة ظل المالكي وشيوخ عشائر الأنبار وصلاح الدين وكركوك ونينوى يرتكبونها على مدى عشر سنين؟ هل من مجيب؟


كاتب عراقي

9