داعش في ليبيا أيضا

الاثنين 2015/08/24

بات مصير ليبيا محفوفا بالمخاطر، مثل سوريا والعراق واليمن، لأسباب يكمن أهمها في الانقسامات التي تأخذ في هذا البلد طابعا مناطقيا وقبليا وسياسيا، وشيوع حال الفوضى والمنازعات والاقتتالات الأهلية، وضعف المداخلات الدولية أو العربية، التي يمكن أن تسهم في وضع حد لما يجري، وأخيرا، صعود داعش في المشهد الليبي.

إزاء ذلك تقف ليبيا أمام احتماليْن، أولهما، توافق الفرقاء الليبيين في ما بينهم على إدارة الوضع وإدارة اختلافاتهم بطريقة سياسية، والتوجه ضمن ذلك للاحتكام للانتخابات. وثانيهما، توفر نوع من دعم أو تدخل عربي، سياسي وعسكري، لتشجيع الأطراف الليبية على التوافق، الأمر الذي بات يجد تغطية له في القرار الصادر عن جامعة الدول العربية مؤخرا، على أن يشمل ذلك المجال السياسي، أي أن لا يقتصر على الدعم العسكري. والحديث عن هذين الخيارين المتماثلين مع مصلحة ليبيا وشعبها، يقود إلى الحديث عن خيارين بديلين ومتعاكسين، أولهما، يتمثل في استمرار حال التنازع بين الجماعات الليبية المختلفة، على خلفيات مناطقية وقبلية وسياسية. وثانيهما صعود مكانة داعش وسيطرتها على أجزاء من ليبيا، علما أن هذين الاحتمالين يفتحان على استمرار الفوضى وبالتالي الانقسام وعدم الاستقرار.

الآن، قد يجدر بنا التركيز على الاحتمال الداعشي، وعلى فرضية التدخل العربي، لكبح صعود هذا التنظيم. والحاصل أن هذا التنظيم بات يجد في ليبيا حاضنة أخرى مناسبة له، بعد العراق وسوريا، مع تواجده في أكثر من منطقة، من الشرق إلى الغرب والجنوب، بعد أن كان محصورا في مدينة درنة وما حولها في الشرق الليبي. وبديهي أن ثمة مجموعة عوامل تمكن هذا التنظيم الإرهابي من التمدد، أولها انقسام الليبيين، بين حكومتين وبرلمانين وجيشين. ثانيا، وجود مصادر إمداد بشري له، لاسيما مع وجود حاضنة رديفة في مالي، بمعنى أن الجماعات الإرهابية في بعض الدول الأفريقية تحاول أن تستثمر ضعف الاستقرار في ليبيا لفرض وجودها كموقع استراتيجي على حدود المتوسط، وأيضا كمصدر للمال مع السيطرة على بعض منابع النفط. ثالثا، انشغال البلدان المجاورة (مصر وتونس والجزائر والسودان) بمشاكلها الداخلية، ما يمثل فرصة لداعش للسيطرة في هذا البلد.

في ما يخص فرضية التدخل العربي، فالمعلوم أن وضع ليبيا يتميز بعدم وجود دولة إقليمية قوية مجاورة، كحالة سوريا والعراق إزاء كل من إسرائيل أو تركيا أو إيران، ما يعني أنه لا توجد قوة تستطيع أن تكبح أو تؤخر، النظام العربي عن التدخل بشكل إيجابي لاستعادة الاستقرار لهذا البلد، وتمكين شعبه من تقرير مصيره وفق إرادته في دولة مؤسسات وقانون.

بيد أن كل ذلك لا يمنع من إثارة مجموعة من الأسئلة من نوع: ما هو نوع التدخل العربي المطلوب؟ هل هو تدخل سياسي أم عسكري، أم كلاهما؟ ما هي اتجاهات هذا التدخل، أو من الذي يحدد ماهيته أو أفقه السياسي، مع علمنا بتضارب إرادات الدول العربية الفاعلة في هذا الملف؟ والمعنى من ذلك أن ثمة مشكلات داخلية في النظام الرسمي العربي هي التي تعيق أي تدخل إيجابي فيه، ناهيك عن انقسام الليبيين، وضعف نضج الحالة الثورية في المجتمع الليبي.

هذه الإشكاليات لا تخص ليبيا وحدها، وإنما تبرز في أكثر من مكان، لأنها تتطلب التوافق على تعريف المصالح العربية، وهذه تحتاج إلى عقد عربي جديد في إطار الجامعة العربية، لكن الحديث عن هكذا عقد يفترض وجود دول عربية تتأسس على عقد جديد ينظم العلاقة بينها وبين ومواطنيها، هذا أولاً.

ثانيا، هذا الأمر يصطدم بمسألة أخرى تتعلق بنظرة كل دولة لحدود سيادتها، أي عدم تنازلها عن بعض ما تعتبره سيادتها على شعبها ومواردها وأرضها، أي أن الوضع يفترض من الدول العربية بعض التنازل عن بعض سيادتها في سبيل المصلحة العامة للنظام العربي، باعتبار أن العوائد المتأتية من وحدة الموقف تعوض التنازل في بعض القضايا السيادية.

ثالثا، تبقى عقبة جوهرية أخرى تتمثل في قصور مفهوم النظام العربي لمعنى الدولة والمصلحة العامة، وقصرها على النظام الحاكم. وهنا تطرح المسألة المعيارية في ما إذا كانت المصلحة أو السيادة تنبع من النظام الحاكم/السلطة، أو من الشعب أو أغلبية الشعب؟

كاتب سياسي فلسطيني

9