داعش كابوس طائفي يؤرق دول الشرق الأوسط

تنظيم داعش موجود على تماس مباشر مع دول الخليج والأردن وسوريا ولبنان وإيران وتركيا، وهو قادر على إلحاق الأذى بهذه الدول كما كانت تفعل إسرائيل بواسطة الطيران، فداعش سيكون المحرقة لاستنزاف خيرات المنطقة وثرواتها الطبيعية لزمن غير معلوم، وبذلك يحل داعش مكان إسرائيل، ويحل الشباب المسلم المتعصب والمنجرف وراء التيارات الإسلامية مكان المتعصبين اليهود الذين أقاموا دولة إسرائيل في أربعينات القرن الماضي.
الاثنين 2015/08/24
تنظيم داعش تسلل إلى المنطقة من التقاطعات السياسية بين القوى الإقليمية والدولية

العلاقات الدولية مع داعش تتميز بالتناقض والخداع المريب، كما أنها تتسم بالغموض نظرا لعدم معرفة ما ستؤول إليه حال هذه الدولة التي تعتبر بحق نتاجا ماديا لنظرية الفوضى الخلاقة، إنها أشبه ما تكون بكائن ولد من تجارب مخبرية استكشافية لا يمكن التنبؤ بشكل قاطع بصيرورته ومدى خطورته والقدرة على التحكم فيه، وهذا هو سبب “قلق” صناع القرار السياسي في العالم أجمع والذي يعبرون عنه في كل مناسبة من على منابرهم.

فمعالم الشرق الأوسط الجديد مرهونة جغرافيا بحدود الدولة الناشئة التي تسعى لبسط سيطرتها على أكبر مساحة من الأرض السورية والعراقية لتكون على تماس مباشر مع كافة دول المنطقة ولتشكل تهديدا مباشرا لأمن هذه الدول واستقرارها، فكل يوم تطالعنا الصحف بخرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، كنا ننظر إلى طبعتها الأولى قبل عقدين من الزمن بكثير من السخرية ونعتبرها ضربا من الفانتازيا.
وإذا ما تمعنا قليلا في الدول المؤثرة والمتأثرة بداعش وفقا لموقعها الجغرافي من جهة ولمكانة هذه الدولة أو تلك في الساحة السياسية والاقتصادية العالمية من جهة ثانية، يمكننا ببساطة الإشارة إلى بعض الدول الأكثر تأثيرا وتأثرا بهذا الكائن العجيب.

تتسم سياسة إيران مع داعش بالمهنية والبراغماتية رغم تصنيفها كدولة ثيوقراطية، كما تتسم علاقتها بداعش بجدلية متناقضة متناحرة تحاول إيران من خلالها الوصول إلى مآربها السياسية كدولة تكاد تصنف عظمى بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى.

فإيران تعمل على ترسيخ دولة داعش في المرحلة الراهنة كممثلة عن السنة الذين يشكلون الخطر الأكبر على نظامها السياسي، وهي بذلك تضمن تلقائيا ولاء الشيعة من العرب وغير العرب لمنظومتها الفكرية نظرا لما يمثله داعش من خطر عليهم وفقا لإعلانه الصريح بتكفير الروافض والصفويين، كما أنه يكسب شرعيته كدولة ثيوقراطية، ومن جهة أخرى تعلن إيران حربها اللامرئية على داعش تمهيدا لمشروعها الإمبراطوري الممتد من قم إلى شواطئ المتوسط.
إيران تعلن حربها اللامرئية على داعش تمهيدا لمشروعها الإمبراطوري الممتد من قم إلى شواطئ المتوسط

أما في الجهة المقابلة نجد تركيا أن ترى في داعش حاجزا جغرافيا قويا في وجه مشروع إيران الإمبراطوري، لكنها في الوقت ذاته تدرك خطر داعش على وجودها وسياستها كدولة حامية للسنة. فإنعاش فكرة الخلافة الإسلامية والتي كانت تراود بعض المفكرين الأتراك باعتبارهم آخر خلفاء المسلمين استثمرها داعش بطريقة وضعت تركيا بين مطرقة الإرهاب وسندان الموروث التاريخي.

العلاقة ما بين الدولة الإسلامية والمملكة العربية السعودية من أعقد المسائل التي تواجهها سياسة المملكة منذ نشوئها، ففكرة الخلافة التي نشأت وترعرعت على أرضها في القرن السابع مازالت تراود عقول الملايين من السعوديين، نظرا لما تملكه السعودية من ثقل سياسي واقتصادي وديني في العالم أجمع.

كما أن السعوديين لا يمكنهم المجازفة بالعمل على قطع دابر داعش قبل التوصل إلى اتفاق سياسي يضمن حقوق سنة العراق، فالسعوديون يرون خطر الحشد الشعبي المكون أساسا من شيعة العراق وإيران هو بمثابة رأس الحربة لمشروع إيران الإمبراطوري.

سوريا تعتبر المتضرر الأكبر من تنظيم داعش الذي استولى على أكبر مساحة من أراضيها، تلك المساحة التي تتمركز فيها الثروات النفطية وزراعة القمح، المادتان اللتان كانتا تشكلان عصب الاقتصاد السوري، الذي تحول إلى خدمة أخطر التنظيمات الإرهابية. ولقد استفاد النظام في دمشق من تنظيم الدولة استفادة بالغة الأهمية وحقق مكاسب سياسية استراتيجية كان أولها، ظهوره بمظهر المدافع الحضاري عن الدولة السورية، مقارنة بهمجية تنظيم الدولة ووحشيته التي يفاخر بها علنا.

إسرائيل هي الدولة الأكثر استفادة من قيام دولة داعش وعلى نفس الأسس التي قامت عليها الدولة العبرية
ثانيا، وضع الشعب السوري ومن ثمة دول العالم أجمع أمام خيارين، النظام القائم أو التنظيم القادم. ثالثا، ساهم التنظيم بشكل فعال في القضاء على النخبة الثقافية الثورية التي كانت تطالب بالدولة المدنية، واعتبر أن العلمانيين هم أشد خطرا عليه من أيّ مكون آخر وهذا ما قدم خدمة للنظام السياسي في دمشق لا تقدر بثمن.

لعل إسرائيل هي الدولة الأكثر استفادة من قيام دولة داعش وعلى نفس الأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل، إذ لم يعد العرب شعوبا وأنظمة يفكرون بمقارعة إسرائيل نظرا للخطر الشديد الذي يمثله داعش على أمن الدول العربية واستقرارها.

إن موقع داعش الاستراتيجي والذي يجاور كل الدول العربية الآسيوية الغنية بالثروات النفطية يمثل بديلا موضوعيا لذراع إسرائيل الطويلة التي كانت تهدد بها الدول العربية. هذا الوضع يضع إسرائيل وساستها في موقف حرج للغاية، فهم يدركون من جهة أن مهمة استنزاف المنطقة لم تعد تقع على عاتقهم، وبذلك يبتعد شبح الحرب عن أطفالهم ليعيشوا في طمأنينة وسلام مع جيرانهم العرب، لكن في الوقت ذاته يشعرون بالخطر الشديد لفقدان إسرائيل أهميتها العسكرية والسياسية التي كانت تبتز بها الدول الكبرى.

تحرص الدول الكبرى على أن تحتفظ إسرائيل بالقنبلة النووية كخيار شمشوني أخير يضمن بقاءها كدولة نشاز في محيط عربي تنخفض فيه أمواجه العدائية نحو الدولة الصهيونية لتتجه نحو البديل المصطنع والأكثر خطورة وإرهابا من أيّ دولة عرفها التاريخ المعاصر.

13