داعش وإيران وإسرائيل "أصدقاء" المشروع الطائفي في المنطقة العربية

الاثنين 2015/09/14
الميليشيات المسلحة أداة قتل طائفي بيد المرجعيات الدينية المرتهنة سياسيا

تمكن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من أن يجعل من النظام الإيراني في المنطقة شبه شرطي “شاطر” يقوم بدور ضبط إيقاع الصراع الطائفي بالزيادة أو النقصان كلما استدعت الحاجة إليه ووفق المطلوب منه. وما يخفيه هذا الدور الذي أحدثته الأجهزة الإستراتيجية الأميركية هو أنه دور متطابق إلى مدى بعيد مع ما تقوم به إسرائيل الآن ومنذ إيجادها. حتى أن البعض من مناهضي الطائفية والإسلام السياسي في العراق أطلقوا تسمية “إسرائيل الشرقية” على إيران للدلالة على طبيعة النظام العنصري الديني الذي يحكمها، وللإشارة أيضا إلى أنها تبرير آخر لما يسمى “يهودية الدولة” التي تقابل “شيعية الدولة” كما تدعي طهران.

الأمر يتزامن إذن مع سقوط أوراق الإسلام السياسي الإخواني في المنطقة، فإذا ما سقط أتباع سيد قطب في مصر وتونس وارتباكهم في ليبيا، يصعد أتباع الخميني شرقا لشرعنة “يهودية الدولة”. وهذا ما ظهر في الآونة الأخيرة مع تصريحات المسؤولين الجمهوريين في أميركا عن “تهديد لإسرائيل إذا ما تم تمرير قانون تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس”، كما أعلن البيت الأبيض بدوره عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بن يامين ناتنياهو في مطلع نوفمبر القادم، ناهيك عن ارتفاع أصوات الموالين للوبيات الإسرائيلية في أميركا بحماية الكيان من هجمات إيرانية ممكنة في حال حصول إيران على أسلحة دمار شامل، لتزيد هذه التصريحات من تأجيج أوهام الصراع بين النظام الإيراني وإسرائيل ليصبح المشهد في الأخير مرتكزا إلى نقيضين دينيين يكونان كمغناطيسين للاستقطاب الثنائي؛ إما “شيعية سياسية” وإما “يهودية سياسية”. والهدف في النهاية كسب الشارع العربي البسيط، والذي نجحت آلة الدعاية الضخمة الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق بشكل نسبي في كسب موضع قدم داخل هذا الشارع.

ولئن كانت لغة الخطاب الطاغية في الولايات المتحدة الأميركية حذرة ومركبة بتعقيد، كي لا ينخرط القائمون على السياسة هناك في مستنقع المهاترات الدينية، إلا أن الخطاب الإيراني الأهم في المنطقة العربية لا يترك مناسبة إلا ويخرج المعركة من سياقاتها التاريخية الحقيقية ليوظفها لصالح الطائفة والحزب الإسلامي والأيديولوجيا التيوقراطية.

الثالث المرفوع من هذه المعركة هو المشروع الوطني التحرري الذي أصبح خطابه غير مؤثر في خضم الصراعات الطائفية
وحتى في اختيار المناسبات، يمكن ملاحظة اختيار ذكرى عاشوراء مثلا ليتحدث فيها حسن نصر الله عن عداء حزبه لإسرائيل بإفعام طائفي واضح، وهذا ليس من فراغ، بل من خلال تخطيط اتصالي لرسم صورة معينة في ذهن المتقبل، الأمر الذي جعل من البعض ملتبسا في فهم طبيعة الصراع: من قضية تحرر وطني ذي أفق مواطني وعلماني إلى صراع ديني بين طائفة من المسلمين واليهود.

وقد تمكنت الآلات الإعلامية الطائفية من إلباس الصراع الديني الذي يدور بين الكل والكل هذه الأيام نوعا من الرموز المقلدة مثل تعبير “محور الممانعة” أو “محور المقاومة”، في حين أن الأمر في باطنه لا ينم سوى عن طبيعة صراع أخرى أشد وأعنف هي الصراع الطائفي بالوكالة عن إيران ولصالح أيديولوجية إسلامية صممت على مقاس طموحها الاستعماري التاريخي للمنطقة. ولئن ظهر الأمر جليا في العراق عبر الميليشيات المسلحة التي تخرب هيكل الدولة والجيش بالخضوع لأوامر الحرس الثوري الإيراني، فإن الأمر أوضح في لبنان الذي يشهد أزمة سياسية عميقة بسبب الابتزاز الذي يمارسه حزب إيران داخلها، حزب الله.

يتواصل إذن برنامج إعادة تركيب المنطقة العربية إلى قطع صغيرة بغرض تدجينها وابتلاعها، بمعول الإسلام السياسي بشتى مظاهره وأشكاله من الإخوان المسلمين إلى داعش إلى الحشد الشعبي إلى النظام الإيراني، هذا النظام “الإسلامي” الذي ربط خيوط امتداده بكل ما هو سلبي في المنطقة، حتى أميركا ذاتها التي صدع الخمينيون رؤوس العالم بمعاداتهم لها باعتبارها “الشيطان الأكبر”، فإننا نراها وإيران مؤخرا في طريق واحدة تدافع كل منهما عن الأخرى وبالخطاب ذاته، الأمر الذي يدل على أن المغالطة باسم الله أسهل من تغيير الخطوة عند المشي.

الثالث المرفوع من هذه المعركة هو المشروع الوطني التحرري الحقيقي الذي أصبح خطابه غير مؤثر أمام قوة الشحنات الخطابية الطائفية التي تبثها جماعات الإسلام السياسي بمختلف أشكالها وعلى رأسها آلة النظام الإيراني الدعائية من جهة وعنف داعش الدموي من جهة أخرى، بل إن الداعين أحيانا إلى نبذ الطائفية وانتهاج المدنية والقانون والانتصار للدولة ينظر لهم كمترفين معرفيا أو ككفار وزنادقة، وهذا يعود إلى تسرب الإسلام السياسي في السلوك اليومي عبر الشحن الديني والإغراء المالي والمغالطات الغربية في الحداثة الموهومة.

13